فهرس الكتاب
وقد مضَت القرون، وانقضَت العهود، ولم يكن من هذه الفرَق كلّها إلا زيادة في الإمعان في كرائه السوءِ التي قضَت بها على أنفسها أن تكون من أصحاب النّار، لم تتحوّل عن شيءٍ، ولم تُصِبْ حُسْنًا من قولٍ أو فعلٍ يقرِّبها من الفرقة الناجية، بل لقد كان بعض انتقاصٍ من سمات الفرقة النّاجية، أدنتها إلى بعض الفرَق الهالكة· وكان ذلك من بعض من أُولعوا بما عند تلك الفرَق من السوءِ عياذًا باللَّه، بل لقد جاوز هؤلاء هذا القدر، وغدوا إلى اليهود والنّصارى، ومدُّوا الجسور ـ كما يقال ـ إليهم ـ بالمودَّة والحسنى ـ من غير ما سببٍ إلا الإعجاب بما عندها، والانبهار بما خفي عليهم من البأساء والضرّاء التي أحلَّت عُظْم الأُمة في قيعة السّوء، وأنزلتها منازل السوء، وكانت منها على شفرة سكّين الموت، ترقب حتفها العائج بها على هلكتين، واحدة في الدنيا برداء التّبعية والإعجاب، والثانية في الآخرة ـ عياذًا باللَّه ـ من عذاب الهُون في سقر·
عَجَبٌ من استصحاب البعض صفات الماضي مع ظهور تغيّرها
وإنّي لأعجبُ أشدَّ العجب ـ حتّى إنّ عجبي ليكاد يصعقني ـ من أولئك الذين يصرّون على أن يبقوا على تلكم العلائق الموهومة التي يحسبونها باقيةً على حالها الأُولى في مطالع القرن الأول، في بدايات نشوئها، إذ كانت الأُمة على تماسكٍ، وتوادٍّ، وائتلافٍ، وقوةٍ، لكن أين نحن اليوم مما كانت الأُمة عليه في ذلك الوقت المبارك، المبارك أهله، (خير النّاس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم) .