الصفحة 82 من 91

من تلكم المصطلحات: الشّرك، والكفر، والظّلم، والفسق، وهذه كلّها تلتقي على قدرٍ واحدٍ من المعنى، كما أنّه يكون اختلافٌ بينها في المعنى، لا يَنِدُّ به واحدٌ منها عن الأُخرى في القدر الذي التقت عليه، لأنّه يشبه أن يكون هذا القدر كالأصل، الذي تفرَّعت منه فروع، ربَّما تباينت في أشكالها الظاهرة، أما في مادتها التي تكوَّنت منها، فإنّها لو ظهرت وعَرَفها الناس على ما هي عليه، فإنّها مؤْتلفةٌ غير مختلفة· واقرأْ إن شئت الآيات كلَّها التي جاءت فيها هذه الكلمات من كتاب اللَّه، فإنّك ستجدها جميعًا في أصل الوضع الذي أراده اللَّه سبحانه، لا تختلف فيه واحدةٌ عن مثيلاتها، إلا ما يكون من أصل حروف المادَّة الثلاثية الظاهرة، فيكون هذا من باب التلوين الحرفيِّ، الذي يزيد من جمال الكلمات، وحسن جرسها، فيختار السامعُ أو القارئُ، ما يوافق رغبته أو ما يجري على وفاق سلامة الذَّوق العربي، الذي به ولا بدَّ، يهتدي إلى استجلاءِ المعنى الذي أراده اللَّه سبحانه من كل آيةٍ مجتمعةٍ بحروفها، أو متفرِّقةٍ بكلماتها· وهل يمكن أن يكون شركٌ، إلا بكفرٍ يعمد به العبد بظلم يواقعه، يُفْسد به الظالم بفعله أو تصوُّره ما يريد اللَّه من عدلٍ في أمره وخلقه، أو يُفضي به إلى خروج أو جنوحٍ عن مسار ذلك العدل الذي أراده اللَّه سبحانه في أمره وخلقه، فيكون به ذلك الظالمُ عاديًا على العدل الإلهيِّ، يلزم به نفسه عياذًا باللَّه، الفسوقَ أو الخروجَ عن سلامةِ الفطرة، التي بها تكون الهداية الآمنة الأمينة إلى صواب الأمر في الحياة الدنيا للنّاس جميعًا، لأنّ اللَّه سبحانه أودعهم جميعًا فطرةً واحدة، لا تختلف من إنسانٍ لآخر، كي لا يكون لهم حجةٌ، بتقدُم أو بتأخُّرٍ، يتفاضلون به على غير مرادٍ للَّه سبحانه أو حكمة يريدها، ولا يظهرهم عليها، وبذلك لا يكون من عدلٍ يتساعون به، فيصيب كلٌّ منهم حظًّا، لا يُنال بسعيٍ في عمل صالح يرضاه اللَّه في عباده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت