أما أن القرآن قد قال على لسان المسيح:"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (آل عمران/ 50) ، فهذا صحيح، لكن الواعظ تجاهل الآية التالية لهذه الآية، وهى صريحة الدلالة على أن عيسى بن مريم ليس إلا عبدا لله باعترافه هو نفسه، لا إلها ولا ابنا للإله:"إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ"، وهو ما يصُكّ شبهته في وجهها صَكّةً تفتته تفتيتا. ثم إن هذه العبارة التى يظن الواعظ الطيب الذى على نياته أنها تؤسس وضعا خاصا بعيسى بوصفه ابن الله قد قالها بنصها نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ويمكن القارئ الرجوع حسبما نقرأ في الآيات 108، 110، 126، 131، 144، 150، 163، 179 من سورة"الشعراء"، إلى جانب الآية الثالثة من سورة"نوح"، فضلا عن الآية التالية التى وردت على لسان هارون:"وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي" (طه/ 90) . ذلك أن وجوب طاعة الرسول ليس أمرا خاصا بعيسى بن مريم وحده، بل هو حق للرسل جميعا:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ" (النساء/ 64) . وقد جاء مثله وأقوى منه في محمد عليه الصلاة والسلام، والشواهد عليه كثيرة، بيد أننى أكتفى بالآيات التالية:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (النساء/ 59) ،"مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" (النساء/ 80) ،"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (المائدة/ 92) ،"وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (النور/ 56) ،"إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا" (الأحزاب/ 64- 66) .