وثالثا: يتطرق الواعظ إلى الكلام عن حروب رسول الله متخذا منها مغمزا فيه وفى دعوته، مقارنا له بالمسيح عيسى بن مريم، الذى لم يرفع السيف في وجه أعدائه واستغفر لهم. لكن فات السيد الواعظ أن عيسى لم يستمر في دعوته سوى ثلاث سنوات ليس إلا، بخلاف محمد، الذى استمر ثلاثا وعشرين سنة قضى منها في مكة يتحمل أذى قومه وسخافاتهم وسفالاتهم وجبروتهم ثلاث عشرة سنة كاملات، لا ثلاث سنين فحسب، لم يرفع في وجههم عود نبات، فضلا عن أن يجرّد للقتال سيفًا، ودعا الله أن يغفر لهم لأنهم لا يعلمون. كذلك فقد رأينا السيد المسيح في لحظةِ مكاشَفَةٍ يعلنها صريحة مدوية فيقول:"جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا". فلو أنه عليه السلام قد استمر على الأرض بضعةَ أعوامٍ أُخَرَ لكان له شأن آخَر، إذ الحياة لا تجرى على هذا النحو المغرق في المثالية والسذاجة، وإلا أكل القوى فيها الضعيف. وها هى ذى أمم الغرب النصرانية أكبر شاهد على ما نقول، إذ لا تعرف، منذ أن دخلت في النصرانية وقرأت إنجيل السلام، إلا لغة الحرب والسيف، ثم المدفع والقنابل، ثم الطائرات والدبابات والصواريخ، ثم الأسلحة النووية، ولم نقرأ أنها جنحت يوما إلى التعامل بالحسنى مع أحد إلا أن يكون قويا مثلها يخيفها ويوقفها عند حدها.