ثم كيف يقال إن المسيح قد خلصهم من لعنة الشريعة؟ ترى هل هناك مجتمع في الدنيا يعيش دون شريعة؟ فكيف ينظم الناس حياتهم ويميزون بين الصواب والخطإ ويعرفون حقوقهم وواجباتهم والعقوبات التى تردع المجرم عن إجرامه، أو على الأقل: تكون عبرة لغيره من أن يسلك نفس السبيل؟ ترى تحت أى بند نضع تعاليم السيد المسيح التى كان يوصى بها أتباعه كما تقول الأناجيل؟ ألم يكن يأمر كل من آمن به أن يترك عمله الذى يتكسب منه ويتبعه؟ ألم يرفض أن يذهب أحد المؤمنين به لتشييع جثمان أبيه قائلا له: دع الموتى يدفنون موتاهم، بما يفيد أنه لو آمن أفراد المجتمع كلهم به لكان معنى هذا أن تبقى جثث الموتى في البيوت والشوارع والحقول حتى تنتن وتأكلها الكلاب والثعالب والنسور لأنه لن يكون هناك في هذه الحالة موتى (أى كفار لم يؤمنوا به عليه السلام) يقومون بدفن موتاهم؟ ألم يبين لهم كيف يصلون؟ ألم يقل لهم إن على الأغنياء التخلى عن كل ثرواتهم حتى يدخلوا ملكوت السماوات؟ ألم يوجب عليهم أن يتركوا إزارهم لمن يغصبهم رداءهم وأن يديروا خدهم الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن وأن وأن وأن؟ أليس في النصرانية تشريعات خاصة بالقُدّاس والميلاد والزواج والطلاق والصلاة والصيام والحج والموت والدفن مثلا، ودعك من أن كثيرا منها تشريعاتٌ مُعْنِتَةٌ جدا؟ أليس في النصرانية حَرْمٌ يسلّه الباباوات على رقاب من يخرجون عن طوعهم أو طوع الكنيسة؟ أليس القتل والسرقة والكذب والخيانة وإهانة الأب والأم مثلا حراما في النصرانية؟ أم إن النصرانى يستطيع أن يزنى ويقتل ويسرق ويغتاب وينم ويستبد ويتجسس ويخون ويكذب دون أن يخشى عقابا من الله يوم القيامة ما دام السيد المسيح، صلى الله عليه وسلم، قد جاءه بالرحمة والغفران الشامل؟ فإذا كان الأمر كذلك، وهو بكل يقين كذلك، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك، فأى فرق إذن بين النصرانية وبين الإسلام أو أى دين آخر يُسَوّغ لواعظنا الطيب الذى على