ومما ينبغى الوقوف عنده لتوضيح وجه الحقيقة فيه قول واعظنا البارع في تسويق ما لا جدوى له من الكلام إن"الشريعة لن تبرر الخاطئ، ولن تحرر المذنب من ذنبه، فكل شريعة تحكم على الأثيم وتهلكه، فبسبب الشريعة سيدخل الإنسان جهنم". يا أخى، فأل الله ولا فألك! لقد جاءت الشريعة لتنظم حياة الناس فلا يعتدى أحد على أحد، وإلا عوقب في الدنيا، أما الآخرة فقد يعاقب فيها، وقد يسامحه الله أو يخفف عنه حسب ظروفه وفهمه ومدى ما بذل من جهد لتجنب وقوع الخطإ منه، وكذلك حسب ما عمل من الصالحات التى من شأنها أن تعادل ما اقترف من ذنب، بل ربما كانت العقوبة الدنيوية كافية لغفران الذنب في الآخرة. ومع هذا كله، فهناك رحمة الله الواسعة التى تسبق دائما غضبه وعدله. أليس الله كريما؟ أليس عَفُوًّا غفورا لطيفا بارا حنونا عطوفا؟ فكيف يكون سبحانه كذلك، وهو أعظم من ذلك، دون أن يظهر في حسابه لعباده كل ذلك؟ فالغفران إذن لا ينتظر بالضرورة إلى الآخرة، بل قد يتم هنا في الدنيا أولا بأول ما دام الشخص يستغفر ربه ويندم على ما فرط منه من معصية ويسارع إلى فعل الخيرات. ثم لقد خلق الله الإنسان ضعيفا، وهو سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وليس ثمة ذنب إلا وعفو الله أكبر منه وأعظم. ولا ننس فوق هذا كله أن الحسنة في الإسلام بعشر أمثالها، بل إنها لتتضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر إلى ما شاء الله، على حين أن السيئة إنما تُجْزَى بمثلها فقط، وهذا إن جُزِيَتْ أصلا، وكثيرا ما لا يجازى الإنسان عليها كما نعرف من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.