الصفحة 18 من 39

خلق الله البشر وجعلهم شعوبًا وقبائل { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } [ الحجرات: 13] ونجم عن ذلك اختلاف لغاتهم { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } [ الروم: 22] وهذه اللغات تتفاوت في المفردات ومعانيها، والألفاظ، والتقديم والتأخير، والتراكيب وأساليبها، واستعمال الحروف، ودلالات الأسماء والأفعال، بل إن العمق يتعدى الأصوات إلى عمق منطق التفاهم، والذي يبين عن الخصائص النفسية والوجدانية، والذين يدرسون اللغات، والمختصون بالألسن، يدركون هذه الفروق، ولهذا ذكر الله الحكمة في إرسال كل رسول بلسان قومه: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [ إبراهيم: 4] .

ولكون البشر مضطرين للتخاطب والتفاهم في أمور حياتهم لجؤوا إلى الترجمة وسيلة لهم، وإن كانت هذه الترجمة لا يمكن أن تنقل الكلام من لغة إلى لغة بشكل مطابق لعدة أسباب منها:

الاختلاف بين اللغات - سبقت الإشارة إليه - وتكون الصعوبة أكبر وأشق حين تكون الترجمة بين لغات منتمية إلى ثقافات متباينة.

من ناحية الشخص المترجم فهو يقوم بعمل اجتهادي ليس هناك قوالب ثابتة يضع فيها الكلام، وإنما هي ألفاظ ومعانٍ، وتعبيرات، تتغير من نظرة شخص إلى آخر، فكل مترجم يبذل جهده في فهم النص المراد ترجمته، ثم صياغته ونقله إلى لغة أخرى.

انفعالات الشخص وآراؤه وأفكاره وعقيدته، سيكون لها أثر مهما كان متحررًا.

ومما يوضح ذلك أنه لو كُلِّف شخص على مستوى عال من القدرة بترجمة نص، ثم كُلّف آخر له القدرة نفسها بإعادة النص إلى لغته الأولى، لكان هناك فرق كبير بين النصين، وإن كثيرًا من الخلافات بين الدول تنشأ من عدم دقة نقل تصريحات المسؤولين إلى لغة أخرى.

تزداد مشقة الترجمة حين تكون الكلمة المراد ترجمتها لا تنم عن فكرة بسيطة بل عن مجموعة أفكار أو عن قصة كاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت