فهرس الكتاب
وإذا أدّاه فقد سقط التكليف عنه، وإذا أخَّرَه حتى ضاق الوقت تَعيَّن عليه، ولِذا صرَّح السعد وغيره بأن الخلاف في هذه الجزئية خلاف لفظيّ (1) .
الوجه الثاني: أن بعض الحنفية القائلين بتعلق الوجوب بآخِر الوقت يَعتبِرون الواجب المؤدَّى قبل آخِر الوقت قد تأدى قبل وقته ..
ولِذا تَردَّدوا فيه: هل هو نفْل؟ أم نتوقف في حكْمه إلى آخِر الوقت؟
وخلافهم مع الجمهور ـ ومعهم الحنفية ـ خلاف حقيقيّ؛ لأن الوجوب عندهم يتعلق بدخول الوقت، فيكون المؤدى فيه وبعده واجبًا.
أمّا القائلون بتعلق الوجوب بالوقت المؤدى فيه الفعل فإنهم يتفقون مع الجمهور في أن المكلَّف يتخير الوقت بين أجزائه؛ إلا الأخير فإنه يتعين عليه، وإذا أدى الواجب في أي جزء سَقَط عنه، ولِذا كان خلافهم مع الجمهور ـ كما أرى ـ لفظيًّا.
الوجه الثالث: أن المحقِّق لِلمذهبيْن الأخيريْن في الواجب الموسَّع يرى أن الخلاف بينهما وبين الجمهور لا يتأتى أن يكون لفظيًّا ..
وبيانه:
أن المذهب الثاني ـ وهو القائل باشتراط العزم على الفعل ـ يجعل تارك الفعل والعزم عليه في الجزء الأول آثمًا حتى لو أداه في الوقت الثاني، وهو مخالِف لِمَا عليه الجمهور مِن أن أداء الواجب في أي جزء مِن أجزاء الوقت يُعَدّ مُجْزِئًا ولا إثم على المكلَّف.
وأن المذهب الثالث ـ وهو القائل بأن الوجوب متعلِّق بأول الوقت ـ يكون قولهم مقبولًا ولا اعتبار لاختلافهم مع الجمهور إذا أرادوا أنه متعلِّق بأول الوقت تَعلُّق أفضلية واستحباب مع جواز أدائه في أي جزء آخَر مِن الوقت، ولكنهم جعلوا أداءه بعد الوقت الأول خروجًا عن الوقت المحدَّد له هو قضاء يأثم عليه المكلَّف إن كان بِلا عذر، وهو مخالِف لِمَا عليه الجمهور؛ لأن فِعل الواجب داخل الوقت المحدَّد له يُعَدّ أداءً سواء كان في الوقت الأول أو بعده، فإن خرج عن وقته المحدَّد شرعًا كان قضاءً ..
الأمرَ الذي يجعل الخلاف مع الجمهور بين المذهبيْن خلافًا حقيقيًّا ... لا خلافًا لفظيًّا.
وعلى ضوء ما تَقدَّم يكون الخلاف في هذه المسألة ـ كما أرى ـ خلافًا معنويًّا بين الجمهور وغالِب المذاهب، وقد يكون لفظيًّا في بعضها ... كما سبق توضيحه ..
(1) سلم الوصول1/ 172، 173 وانظر: شرح التلويح 1/ 304 ومباحث الواجب /679