الصفحة 51 من 420

لأَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون (1) وقوله تعالى {وَقاَلُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَبِ السَّعِير} (2) .

مناقشة هذا الدليل:

وقد نوقش هذا الدليل: بأنّا سلَّمْنا لكم تَحقُّق ما تَقدَّم بالعقل ليس لأنه مَصدر لِلحسن والقبح؛ فمصدر ذلك هو الشرع عندنا، وإنما أَمَرَهم باستعمال عقولهم بالاعتبار والتوصل إلى وحدانيته جل وعلا؛ لأن الله تعالى لم يَخلق شيئًا إلا فيه آية على وحدانيته، ولم يترك خَلْقَه سدىً مع إكمال عقولهم، ولو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر في هذه الأشياء لَخَرَج الأمر في ذلك عن وجه الحكمة ولَبَطلَت فائدة عقولهم وصاروا بمنزلة البهائم التي لا تكليف عليها ..

ولِذا فالعقول هنا ليست لِتَحكم على الأشياء والتصرفات فتُحسِّن وتُقبِّح، وإنما هي آلة لِفهم الأحكام الشرعية، وقد تدرك حسْن الأفعال وقبْحها قبل ذلك، فيأتي الشرع مؤكِّدًا لِمَا أَدركَتْه (3) .

الدليل الثالث: أن حسْن الصدق النافع والإيمان وقبْح الكذب الضار والكفران معلوم بالضرورة لِكل عاقل بغير حاجة إلى شرْع أو عُرْف ... أو برهان، فلو لم يكن حسْن هذه الأمور وقبْحها ذاتييْن لَمَا كان كذلك، وإذا كان الحسن والقبح ذاتييْن في بعض الأفعال كان كذلك في الجميع؛ إذ لا فارق بينهما ..

فدل ذلك على أن الحسن والقبح عقليان.

(1) سورة الرعد مِن الآية 4، سورة النحل مِن الآية 12، سورة الروم مِن الآية 24

(2) سورة الملك الآية 10

(3) انظر قواطع الأدلة 2/ 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت