فهرس الكتاب
الثاني: أن الحكم إذا وقع صفةً لِفعل لا يدل على حدوثه، فقولنا:"وطء حلال"معناه وطءٌ تعلَّق الحِل به، وهذا هو الحادث، أمّا الحكم فهو أزلي ولِذا كان الحادث هو التعلق.
الثالث: أن الحادث الذي يعلَّل به الحكم لا يدل على حدوثه؛ لأن هذه العلل شرعية، والعلل الشرعية معرفات لا مؤثرات، وكأن الله تعالى قال: إذا تزوج فلان بفلانة بشروطه فاعلموا أني حلَّلتُها له ..
فإذا وُجِد النكاح بتلك الشروط عرَفْنا أن الإحلال قديم أزلي.
ويَجوز أن يكون الحادث معرِّفًا لِلقديم؛ لأن العالَم يُعرِّفنا وجود الخالق جل وعلا، فلِذا فلا يُعَدّ علةً له.
الاعتراض الثاني: أن هذا التعريف غير جامع؛ لِخروج الأحكام الوضعية عنه؛ لأنها خطاب الله تعالى لِلمكلَّفين ليست على سبيل الاقتضاء ... أو التخيير، ومع ذلك تسمَّى أحكامًا شرعيّةً؛ لأنها مستفادة مِن الشرع، نحو: دلوك الشمس سببًا لِلصلاة، والطهارة شرطًا لها، والصحة والفساد والمانع.
الجواب عن هذا الاعتراض:
وقد رُدّ هذا الاعتراض: بأنّا لا نسلِّم لكم أنّ ما ذكَرتم مِن الشروط
والأسباب والمانع والصحة والفساد أحكام، وإنما هي أمارات وعلامات نَصَبَها الشارع لِمعرفة الأحكام ..
سلَّمْنا جدلًا أنها أحكام، وحينئذٍ فإن الحد يَصدق عليها وهي داخلة في التعريف؛ لأن المراد بدلوك الشمس أو موجبية الدلوك هو وجوب الصلاة عند دلوك الشمس أي زوالها ..
ونحوها الصحة؛ فإنها داخلة تحت التخيير؛ لأن المراد بصحة البيع ـ مثَلًا ـ إباحة الانتفاع بالمَبيع.
وإذا كان كذلك كان التعريف جامعًا لأفراد المعرَّف وشاملًا لِلحكم الوضعي.
ولِذا ـ وخروجًا مِن هذا الاعتراض ـ زاد ابن الحاجب في تعريف الحكم كلمة (أو الوضع) ، وكان لزامًا علينا بعد الزيادة المذكورة أن نرفع هذا الاعتراض؛ لأنه لا وجه له حينئذٍ، ولكنّا أوردناه حتى نقف على حقيقة اعتراضات المعتزلة على التعريف وكيفية توجيهها والجواب عنها.