فهرس الكتاب
والادخار، وليس من دعاة الدين، أقرب شبهًا بهم الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه.
اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصاحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه هاه هاه شوقًا إلى رؤيتهم وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم) [1] .
11-قال مسلم في (صحيحه) : قال يحيى بن أبي كثير: (لا يستطاع العلم، براحة الجسم) [2] . وفي رواية: (لا ينال العلم براحة جسد) ، وقد قيل: (من طلب الراحة، ترك الراحة) . وفي رواية عن أبي أحمد نصر بن أحمد العِياضي الفقيه السمرقندي: (لا ينال هذا العلم إلا من عطَّل دكانه، وخرَّب بستانه، وهجَر إخوانه، ومات أقرب أهله إليه [3] فلم يشهد جنازته) [4] . قال أبو حنيفة:
(1) -رواه أبو نعيم في (الحلية) (1/79/80) ، والخطيب البغدادي في (الفقيه) (1/50) ، وعزاه الهندي في (كنز العمال) (10/264) ، إلى (ابن الأنباري في(المصاحف) ، والمرهبي في (العلم) ، ونصر في (الحجة) ، وأبي نعيم في (الحلية) ، وابن عساكر). وبوب له الخطيب بـ (ذكر تقسيم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أحوال الناس في طلب العلم وتركه) . ثم قال: (هذا الحديث من أحسن الأحاديث معنىً وأشرفها لفظًا وتقسيم أمير المؤمنين الناس في أوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد؛ لأن الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل) -قال المحبوس بالسجن المحلي بتطوان: ولعل الخطيب أراد بقوله: (من أحسن الأحاديث) : الحسن المعنوي لا الحسن المصطلح عليه بين علماء الحديث-. واعتنى به العلامة ابن القيم فشرحه شرحًا وافيًا في كتابه (مفتاح دار السعادة) (1/123/153) . والأثر في إسناده ثابت ابن أبي صفية الثمالي-بضم المثلثة-، أبو حمزة، واسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، كوفي: (ضعيف رافضي) انظر: (التقريب) (ص:86/رقم:818) ، و (تحريره) (1/196/رقم:818) ، و (تاريخ ابن معين) (3/279) ، و (التاريخ الكبير) (1/165) ، و (الصغير) (2/224) للبخاري، و (الضعفاء الكبير) للعقيلي (رقم:214) ، و (الضعفاء والمتروكين) للنسائي (ص:71/رقم:93) ، و (الضعفاء) للدارقطني (ص:293/رقم:139-ضمن: المجموع في الضعفاء والمتروكين) ، و (الجرح والتعديل) (1/1/445) ، و (الكنى) (1/197) للدولابي، و (المجروحين) (1/203) ، و (الميزان) (1/358) ، و (لسانه) (1/71) ، وفيه أيضًا شيخ الثمالي: عبد الرحمن ابن جندب الفزاري مجهول كما قال الحافظ في (اللسان) (3/408) .
(2) -رواه مسلم في (صحيحه) في: (باب: أوقات الصلوات الخمس) (5/113) .
(3) -روى محمد بن قدامة، قال: (سمعت شجاع بن مخلد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي، فلم أحضُر جهازه ولا دفنَه، وتركته على جيراني وأقربائي، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني) . (مناقب الإمام أبي حنيفة) (1/472) للإمام الموفق المكي، وكان شديد الملازمة لشيخه أبي حنيفة، حتى إنه لازم مجلسه (17-سنة) ، أو: (29-سنة) ، ولم تفته صلاة الغداة معه، ولم يفارقه في فطر ولا أضحى. وله معه قصة عجيبة -لو صحت- انظرها في كتاب شيخنا أبي غدة: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:168/169/170) وملخصها: أن أبا يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال، فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه، فقال: يا بني لا تمُدَّنَّ رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي. وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرتُ عن كثير من الطلب، وآثرتُ طاعة أبي. فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا هي مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة، وإذا نفدت هذه فأعلمني. فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بِخَلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء ما، وكان كأنه يُخْبَر بنفادها حتى استغنيت وتمولت، فلزمت مجلسه- (29-سنة، أو:17سنة) ، حتى بلغت حاجتي، وفتح الله لي ببركته وحسن نيته ما فتح من العلم والمال، فأحسن الله عني مكافأته وغفر له) . انظر: (تاريخ بغداد) (14/244) ، و (مناقب أبي حنيفة) (1/469) للموفق الخوارزمي. وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) (8/260) ، في ترجمة الحافظ المنذري: (وقد درَّس بالآخرة في دار الحديث الكاملية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة، حتى إنه كان له ولد نجيب محدث فاضل-وهو رشيد الدين أبو بكر محمد، توفي سنة 643، وكان أحد الأذكياء النبغاء الحُفاظ-توفاه الله في حياته، ليضاعف له في حسناته، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة، وشيَّعه إلى بابها، ثم دمعت عيناه وقال: أودعتك يا ولدي اللهَ تعالى، وفارقَه) .
(4) -رواه الخطيب البغدادي في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (2/174) . قال بدر الدين بن جماعة في (تذكرة السامع والمتكلم بآداب العالم والمتعلم) (ص:71) بعد نقله ما حكاه الخطيب: (وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أن لا بد فيه من جمع القلب، واجتماع الفكر. وقيل: أمر بعض المشايخ طالبًا له، بنحو ما رواه الخطيب، فكان آخر ما أمره به أن قال: أصبُغْ ثوبك كيلاَ يَشغلك فكر غسله) . وجاء في (تذكرة الحفاظ) (1/194) في ترجمة شعبة بن الحجاج الواسطي البصري: (قال أبو قطن-تلميذ شعبة-: كانت ثياب شعبة لونها كالتراب) .