فهرس الكتاب
وجاء في (أنباه الرواة على أنباه النحاة) للقفطي، في ترجمة: (ابن جَندَل القرطبي) : أبي نصر هارون ابن موسى بن صالح بن جَندَل القيسي، الأديب النحوي القرطبي، المتوفى سنة 401:(قال أبو نصر هارون بن موسى: كنا نختلف إلى أبي علي-القالي-البغدادي-رحمه الله-، وقت إملائه"النوادر"بجامع الزهراء-في قرطبة-، ونحن في فصل الربيع.
فينما أنا ذات يوم في بعض الطريق، إذ أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلسه-رحمه الله-إلا وقد ابتلت ثيابي كلها! وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة، فأمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلًا يا أبا نصر، لا تأسف على ما عرض لك، فذا شيء يضمحِل عنك بسرعة بثياب غيرِها تبدلها.
وقال أبو علي: قد عرض لي ما أبقى بجسمي نُدُوبًاتدخل معي القبر! ثم قال: أنا كنت أختلف إلى ابن مجاهد-رحمه الله-، فادَّلَجت إليه-أي: ذهبت إليه من آخر الليل قبل الفجر-لأتقرَّبَ منه.
فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه، ألفيته مغلقًا وعسر علي فتحه، فقلت: سبحان الله! أبكر هذا البكور، وأُغلب على القرب منه!!
فنظرت إلى سَرَب-حفير تحت الأرض-بجنب الدار فاقتحمته فلما توسطته ضاق بي ولم أقدر على الخروج! ولا على النهوض! فاقتحمته أشد اقتحام، حتى نَفَذْتُ بعد أن تخرقت ثيابي! وأثر السَّرَب في لحمي حتى انكشف العظم! ومنَّ الله عليَّ بالخروج، فوافيت مجلس الشيخ على هذه الحال، فأين أنت مما عَرض لي؟!
دَبَبْتُ للمجد والساعون قد بَلَغوا * جهدَ النفوس وألقوْا دونه الأُزْرا
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهم * وعَانَقَ المجد مَن أوفى ومَن صَبَرَا [1]
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا) [2] .
قال شيخنا أبو غدة-بعد ما ذكر ما كان يلاقيه أهل العلم من المصاعب والشدائد في تحصيلهم للعلم-: (ولهذا ينصح الإمام ابن هشام النحوي المصري، صاحب كتاب(القطر) ، و (المغني)
(1) -قال أبو سعيد الحرمي الحافظ: (لا يصبر على الخل إلا دوده) قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (4/1229) : (يعني: لا يصبر على الحديث إلا أهله) . انظر: (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) (1/6) لمصطفى بن إسماعيل.
(2) -انظر: (إنباه الرواة على أنباه النحاة) (3/362) ، و (الأمالي) لأبي علي (1/113) ، و (صفحات من صبر العلماء) (ص:129/130) . والصبر بكسر الباء: دواء مر المذاق جدًا، يُضرَب المثَل بشدة مرارته، يباع عند العطارين، قال الشاعر:
الصبرُ يوجَد إن باءُ له كُسِرتْ * لكنه بسكون الباء مفقودُ!