الصفحة 114 من 185

وكانت تواليفهم تحوي مجلدات، فكتاب (مرآة الزمان) في التاريخ لسبط ابن الجوزي [1] أربعون مجلدًا، و (تاريخ بغداد) للخطيب أربعة عشر مجلدًا، و (الأغاني) عشرون مجلدًا، و (كامل) ابن الأثير اثنا عشر مجلدًا، و (شرح النبات) لأبي حنيفة الدِّيْنَوَري بلغ ستين مجلدًا. وبلغت تآليف يعقوب بن إسحاق الكِندي فيلسوف العرب (231 كتاب) -بل: تزيد على ثلاثمائة كتاب-، في الفلسفة والطب والهندسة وعلوم كثيرة.

لكن مجلداتهم تختلف من عشر ورقات إلى مائة، هذا مع صعوبة نيل مواد الكتابة في تلك الأزمان. أما المتأخرون فتوفرت المواد لديهم، ومع ذلك لم يبلغوا مبلغ من تقدم، مثل: الحافظ ابن حجر صاحب (فتح الباري) ، و (الإصابة) وغيرهما، والذهبي، وكالسيوطي الذي نافت تآليفه على أربعمائة، فإن جلها صغير الحجم إلى الورقة والورقتين.

وأكثر منه الشيخ أبو الفيض محب الدين محمد مرتضى الحُسيني الواسطي الزَّبِيدي الحنفي-الهندي المولد والمنشأ-نزيل مصر، وكفى (شرح القاموس) ، و (شرح الإحياء) ، دليلًا على ذلك، وقد عمَّ نفعهما، ووقع إقبال العالم الإسلامي عليهما، مع تحرير وإتقان). انتهى كلام العلامة الحجوي باختصار [2] ...

وقال الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله-: (أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف [3] وبقي يتلقى الحديث ببغداد من سنة(179هـ) إلى سنة (186هـ) ، ولزم عالمًا كبيرًا من علماء الحديث والآثار ببغداد أربع سنوات، وهو هشيم بن بشير ابن أبي حازم الواسطي (183هـ) ، وسمع عبد الرحمن بن مهدي، وأبا بكر ابن عياش، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط، فقد حكى عن نفسه: (كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا) ، وقال: (لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد) .

(1) -وسبط ابن الجوزي متهم بالكذب والمبالغات والزيادات التي لا وجود لها إلا في خياله المزكوم. انظر ترجمته في (السير) .

(2) -نقله شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة-رحمه الله-في كتابه القيم: (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:85/90) .

(3) -كان لأبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ثم البغدادي همة عالية في طلب العلم، حتى إن تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ثم المصري قال: (مرض أبو يوسف فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج؟ ثم قال: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار-أي: في مناسك الحج-أن يرميها ماشيًا أو: راكبًا؟ قلت: راكبًا، قال: أخطأت، قلت: ماشيًا، قال: أخطأت، قلت: قل فيها، يرضى الله عنك. قال: أما ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يَرميه ماشيًا، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكبًا. ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصُّراخ عليه، وإذا هو قد مات، رحمة الله عليه) . وتأمل قول يحيى بن معين-لشيخه محمد بن الفضل، حينما طلب منه أن يحدثه بحديث، فلما طفق يحدثه على باب داره قال له ابن معين: لو كان من كتابك-فلما قام محمد بن الفضل ليدخل داره ويأتي بكتابه من بيته فيحدثه منه، خشي أن يحصل لمحمد ابن الفضل مانع...فقال له: أمله علي الآن من حفظك، فإني أخاف أن لا ألقاك، فإن الحياة لها قواطعها، فأخاف أن يحال بيني وبينك فلا ألقاك، فأملى محمد بن الفضل: الحديث على يحيى بن معين من حفظه أولًا، ثم دخل داره فجاء بالكتاب فقرأه عليه ثانيًا. بل: مرة زار أحد شيوخه وهو في النزع فقال له حدثني بحديث فلان، فقال له شيخه الذي يحتضر: وأنا في هذه الحالة قال: نعم، فحدثه فلما فرغ من التحديث قال له يحيى: مت الآن إن شئت فمات!. وذكر محمد كردعلي في (كنوز الأجداد) (ص:123) : (... عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو: أقل منها، فذُكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات) . وقد قال الإمام أحمد: (من المحبرة إلى المقبرة) . وابن مالك حفظ يوم موته عدة أبيات تلقينًا، حدها بعضهم بثمانية أبيات، لقنه إياها ابنه، وهذا مما يُصَدِّق ما قيل: بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى. (قيمة الزمن) (ص:71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت