الصفحة 31 من 185

وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي مع خلف بغلة الشافعي: (يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوه، وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟) ، فقال له أحمد: (لو عرفت لكنت تمشي من الجانب الآخر، إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول، وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول) . قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوز يريد الكلام، فقال عمر:"كبروا كبروا"، فقال الفتى: (يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسن منك) ، قال: (صدقت، فتكلم) .

لما دخل المهدي البصرة رأى إياس بن معاوية وهو صبي، وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة، وإياس يقدمهم، فقال المهدي:"أما كان فيهم شيخ يقدمهم غير هذا الحدَث؟"، ثم إن المهدي التفت إليه، وقال: (كم سنك يا فتى؟) ، فقال: (سني-أطال الله بقاء الأمير-: سن أسامة ابن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-جيشًا فيهم أبو بكر وعمر) ، فقال له: (تقدم بارك الله فيك) .

وذكر الخطيب في (تاريخ بغداد) : (أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو: نحوها، فاستصغروه، فقالوا:"كم سن القاضي؟"، فقال:"أنا أكبر من عتاب بن أَسيد الذي وجه به رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قاضيًا على أهل مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قاضيًا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سويد الذي وجه به عمر-رضي الله عنه-قاضيًا على البصرة"، فجعل جوابه احتجاجًا له) . وهناك نماذج أخرى كثيرة لشباب أبلوا أحسن البلاء في حمل رسالة الإسلام، ونشر نوره في العالمين [1] . لا تيأس من رحمة الله لضر وبلاء نزل بك، فاليأس عنوان الشقاء، أما البلاء فهو طريق الأنبياء ولا منحة بغير محنة، وقد كنت قلت-وأنا بالسجن المركزي بالقنيطرة-:

لاَتَيْأَسُوا فالحَقُّ سَيْلٌ دافقُ * لاَتَيْأَسُوا فَالنَّصْرُ وَعْدٌ صَادِقُ

لاَتَيْأَسُوا فَالسِّلم نُورٌ مُنْجِدُ * لاَ تَفْعَلُوا فَاليَأْسُ كُفْرٌ مَاحِقُ

لاَتَيْأَسُوا فَالسِّجْن في أَرجائِهِ * تمحيصُ إخْلاص، وأمْرٌ فَارِقُ

فَلْتَطْمَئنُّوا إخوتي ولتأْمَنُوا * مِن كيْدِهِمْ لا تَجْزَعُوا لاَ تَفْرَقوا

أَنْتُم شباب المُصطفى إن تَصْبِرُوا * تُجْزَوا جزاءًا وافرًا إن تتقوا

إنْ تنْصُروا الله الذي زان البشرْ * يُنْعِمْ عليكم منه نصرًا ينطقُ

(1) -انظر: (علو الهمة) (ص: 406/407) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت