الصفحة 55 من 185

رسول الله الدهر هكذا؟ فقال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت) [1] . والحديث فيه مقال لكن له شواهد-يرتقي بها إلى الحسن-مثل: (اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) [2] ، وفي رواية عن جابر قال: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) [3] .

3-الصحابة يطلبون من النبي الاستنصار من الله:

وقد طلب الصحابة-رضوان الله عليهم-من رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن يستنصر الله لهم، كما في (صحيح البخاري) من حديث خباب بن الأرت أنه قال: (أتينا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وهو في ظل الكعبة متوسدًا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله تبارك وتعالى لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو: تغير، فقال: لقد كان من قبلكم يحفر له حفرة، ويجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو: عصب، ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله تبارك وتعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [4] .

(1) -رواه أحمد في (المسند) (1/62) وحسنه محققوه، وابن سعد في (الطبقات) (5/177) ، وقال الهيثمي في (المجمع) (9/293) : (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) . كما في هامش: (فقه الابتلاء) (ص:187) .

(2) -قال الهيثمي في (المجمع) (9/293) : (رواه الطبراني ورجاله ثقات) . كما في هامش: (فقه الابتلاء) (ص:187) .

(3) -رواه الحاكم في (المستدرك) (3/388/389) ، وسنده صحيح، وهو شاهد لما قبله. كما في هامش: (فقه الابتلاء) (ص:187) .

(4) -رواه أحمد في (المسند) (20/222-الفتح الرباني) ، والبخاري برقم: (3852) ، وأبو داود برقم: (2649) ، كما في هامش: (فقه الابتلاء) (ص:187) . قلت: انتصار المنهج وظهوره يحتاج إلى تضحية في سبيله، ومن أراد البرهان على ما قلت فعليه بقصة أصحاب الأخدود ففيها: (آمنا برب الغلام) (أخرجها مسلم بطول رقم:3005) -وهذه العبارة قيلت بعد تضحية الغلام بنفسه فداءًا لدين الله تعالى، وأحسن مثال في هذه العصر-سيد قطب البطل المجاهد-كان قتله واستشهاده انتصارًا لمنهجه الذي عاش من أجله، ومات في سبيله، حتى قال أحد الشيوعيين وهو في سجنه: (إنني أتمنى أن أُقتل كما قتل سيد وينتشر مبدئي وكتبي كما انتشرت كتب سيد قطب) . بل: وجدنا مطابع النصارى في لبنان تسارع إلى طباعة ونشر كتب سيد-رحمه الله-كالظلال، والمعالم، والخصائص، والتصور، لما تدره من أرباح هائلة، نظرًا لكثرة القراء والمستفيدين والمحبين. وكأن سيدًا كان يعلم هذا حين قال: (إن كلماتنا وأقوالنا تظل جثثًا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء) . والذي عاش حياته (سيدًا) ، وغادر الدنيا (سيدًا) ، رافعًا رأسه، عاش في الدعوة (قطبًا) ، وغادرها (قطبًا) ، وقد طلب منه أن يعتذر للطاغية عدو الناصر مقابل إطلاق سراحه، فقال: (لن أعتذر عن العمل مع الله) . وطلب منه مشايخ البلاط أن يكتب كلمة يسترحم بها عدو الناصر فقال: (إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يُقِر به حكم طاغية) ، وقال أيضًا: (لماذا أسترحم؟ إن سُجنت بحق، فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فأنا أكبر أن أسترحم الباطل!) . وقد سأله أحد الضباط في أيامه الأخيرة عن معنى كلمة: (شهيد) ، فأجابه قائلًا: (شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته) . ومن نماذج الشموخ والبطولة على الجاهلية حتى في أشد اللحظات ما قاله البطل (سيد) الذي انقطع به حبل المشنقة لحظة إعدامه بالباطل، فقال: (كل جاهليتكم رديئة، حتى حبالكم رديئة) . انظر: (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد) (ص:61/62/462/474/481) ، و (صناعة الحياة) (ص:60) ، و (علو الهمة) (ص:114/115) ، و (حقيقة الانتصار) (ص:18/19) للدكتور: ناصر العمري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت