فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الاقتضاء) : (فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس [1] أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم أو: علة أخرى أو: بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق أنه علة تامة) .
ومن الأدلة على المخالفة أيضًا ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة-رضي الله عنه-وقد حسنه الحافظ في (الفتح) وقال: (وأخرج الطبراني نحوه من حديث أنس) عن بعض مشيخة الأنصار-رضي الله عنهم-أنهم قالوا: (... يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم [2] ويوفرون سبالهم [3] ، فقال-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:(قصوا [4] سبالكم-أي: شاربكم-، ووفروا [5] عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب) .
وفي رواية للبزار بسند حسن من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-أنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (إن أهل الكتاب يعفون شواربهم، ويحفون لحاهم فخالفوهم، فاعفوا اللحى، واحفوا الشوارب) . وفي رواية للبزار أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: (لا تشبهوا بالأعاجم [6] أعفوا اللحى) [7] .
(1) -وقال شاه ولي الله الدهلوي في (حجة الله البالغة) (1/182) : (وقصها-أي: اللحية-سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله) ، انتهى من (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:67) .
(2) -جمع عثنون: وهي اللحية.
(3) -جمع سبلة بالتحريك: وهي الشارب.
(4) -قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: (يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه!) ، وقال البخاري: (وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد ويأخذ هذين، يعني: بين الشارب واللحية) ، وقال النووي في (المجموع) (1/319) : (والمختار أنه يقص حتلا يبدو طرف الشفة، ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية:"أحفوا الشوارب"فمعناه: أحفوا ما طال على الشفتين) ، وقال القرطبي: (القص: أن يأخذ ما طال على الشفة، بحيث لا يؤذي عند الطعام ولا يجتمع فيه الوسخ) . انظر: (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:73/74) ، والذي يظهر-والله أعلم-جواز الأمرين. وقد سئل الإمام أحمد: (ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًا فلا بأس) . وقال أبو محمد في (المغني) : هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه. وقد روى النووي في (شرح مسلم) عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين: الإحفاء، وعدمه. قال الشوكاني: والإحفاء ليس كما ذكره النووي في أن معناه أحفوا ما طال عن الشفتين، بل: الإحفاء: الاستئصال-كما في"الصحاح"و"القاموس"و"الكشاف"وسائر كتب اللغة، ورواية القص لا تنافيه، لأن القص قد يكون على جهة الإحفاء وقد لا يكون.
(5) -قال القاري في (المرقاة) (2/457) : (والمعنى: اتركوا اللحى كثيرًا بحالها، ولا تتعرضوا لها، واتركوها لتكثر) . انتهى من (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:76) .
(6) -قال القاضي أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) (1/37) : (فأما قص الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم، فإنهم يقصون لحاهم أو: يوفرون شواربهم، أو: يوفرونهما معًا، وذلك عكس الجمال والنظافة) . وقد ذكر هيلر في (تاريخ العالم) : (أن أول من أشاع حلق اللحية في أوروبا الملك بطرس ملك روسيا في لأوب لبقرن السابع عشر) . انتهى من (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:32) .
(7) -قال ابن تيمية: (فمخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجرية، قال: ومشابهتهم فيما ليس من شرعنا يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية، وقال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل: في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو: يتعذر زواله، وكل ما كان سببًا إلى الفساد فالشارع يحرمه) . انتهى من (تحريم حلق اللحى) (ص:8) .