الصفحة 75 من 185

قال الإمام ابن حزم في (مرتب الإجماع) : (واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة، ولم يبحه أحد) .

وقد أفتى كثير من العلماء برد شهادة حالق اللحية، وممن أفتى بذلك أيضًا محمد حبيب الله كما نص على ذلك في كتابه (فتح المنعم) ثم لم يلبث أن حاد عن المنهج العلمي في التحقيق-فبلغ الأمر به ليبحث عن أقوال ساقطة كاسدة ليرفع-بزعمه-الحرج عن كثير من الناس الذين وقعوا في بعض المنكرات كحلق اللحية مثلًا-فقال عقيب ذلك مباشرة: (ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيرًا من أهل الديانة قلد فيه غيره خوفًا من ضحك العامة منه لاعتيادهم حلقها في عرفهم [1] -بحثت غاية البحث عن أصل أخرج عليه [2] جواز حلقها حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق!!

فأجريته على القاعدة الأصولية وهي أن صيغة (افعل) . في قول الأكثرين للوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للقدر المشترك بين الندب والوجوب، وقيل: بالتفصيل، فإن كانت من الله تعالى في القرآن فهي للوجوب، وإن كانت من النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كما في الحديث هنا على الروايتين وهما رواية: (وفروا) ، ورواية: (إعفوا) -فهي للندب) إلى آخر اء هرائه.

وهذا القول حكايته تغني عن التدليل على بطلانه، فالشيخ قد أقر باتفاق العلماء على حرمة حلقها، ثم سعى إلى تخريج فاسد ترتب عليه نسف جميع الأوامر النبوية حيث جوز مخالفتها، لأنها تدل على الندب لا الوجوب كما يدعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [3] .

(1) -أي عرف هذا؟ عرف المشركين والمجوس، فالعرف الذي يصادم النصوص الشرعية عرف جاهلي لا يستحق أن يلتفت إليه ولا عبرة به، وكان الأولى بالشيخ محمد حبيب الله أن ينصح من يحلق لحيته ويزجره عن فعله لأنه تشبه بالنصارى واليهود والمجوس والمشركين كما في الأحاديث الواردة في ذلك لا أن يبحث عن الحيل التي تشبه حيل اليهود-عفا الله عنا وعنه-حتى سمعنا من يقلده في عصرنا في ارتكاب هذه الكبيرة ثم يقولون: نحن قلدنا هذا العالم، (ومن قلد عالمًا لقي الله سالمًا) ، هذا لو كان تقليده في مسألة فقهية ليس فيها نص صريح، أما في هذه المسألة ونحوها فنقول: (من قلد فيها عالمًا لقي الله ظالمًا) .

(2) -يذكرني فعل هذا الرجل بفعل علماء البلاط الذين يبيحون لحكامهم المحرمات ويبحثون لهم عن دليل في شريعة اليهود (التوراة) والنصارى (الإنجيل) .!!. فنصوص الشرع تشكو إلى الله من تلاعب السفهاء، وتخاذل العلماء. قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) (ص:121) :(ومن تلبيس إبليس على الفقها: مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم، وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك، وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عَرَضًا فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:

الأول: الأمير يقول: لولا أني على صواب لأنكر علي الفقيه، وكيف لا أكون مصيبًا، وهو يأكل من مالي!.

الثاني:العامي، فإنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله، فإن فلانًا الفقيه لا يبرح عنده.

والثالث: الفقيه فإنه يُفسد دينه بذلك).

(3) -انظر: (زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء) (ص:19/20) ، و (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:113/114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت