الصفحة 25 من 29

تبليغًا لحكم واقعةٍ شاهدها الصحابة بأعينهم.

الثاني: تعدد مجالس الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكثرتها، فقد يتناول موضوعًا واحدًا في مناسبات مختلفة، ويجيب السائلين بما يتناسب مع مداركهم، وقد يستفتيه أكثر من واحد في واقعة واحدة، فيفتي كل واحد بما يكفيه.

فلا ينبغي أن يُتَّخَذ تعدُّد الرواية في الحديث مدخلًا لإبعاد كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستشهاد به في الإعراب والتصريف؛ فقد استشهد النحويون بكلام العرب، ولم يستثنوا من ذلك ما تعددت الرواية فيه، وهو أمرٌ شائع في الشعر مشهور، كما احتجوا بشعرٍ لا يُعرف قائله اعتمادًا على ثقتهم براويه، ورواةُ الشعر ليسوا أكثر ثقة من رواة الحديث، وعلم الإسناد الذي حظي به الحديث الشريف لم يحظ به أي علم من العلوم، والعلل التي ذكروها (( كلها وارد بصورة أقوى على ما احتجوا به هم أنفسهم من شعر ونثر ) ) [1] .

وأمّا عدم الوثوق بأنَّ اللفظ المستشهد به لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدفعه قول الدمامينيّ في معرض ردِّه على أبي حيان: (( وتدوين الأحاديث والأخبار بل وأكثر المرويات وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، حين كان كلام أولئك المبدلين ـ على تقدير تبديلهم ـ يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذٍ تبديل لفظٍ يصح الاحتجاج به بلفظٍ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دُوِّنَ ذلك المُبَدَّل ـ على تقدير التبديل ـ ومُنع من تغييره ونقله بالمعنى، كما قال ابن الصلاح، فبقي حجةً في بابه صحيحةً، ولا يضرُّ توهُّم ذلك الاحتمال السابق في شيءٍ من استدلالهم

(1) في أصول النحو ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت