الصفحة 28 من 29

معروف في كثير من نوادر بعض الأعراب، والنحاة مع هذا تكلموا فيما يُحتجّ به من كلام العرب وما لا يحتج به.

وهذه الظاهرة تحتمل ـ عندي ـ وجهين:

الوجه الأول: أن يكون ذلك راجعًا إلى أنهم لم يكونوا يعدُّون الحديث النبوي قسمًا مستقلاًّ عما سواه في قضية الاحتجاج؛ لأنه جارٍ على سَنَن كلام العرب، فالرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من العرب، وهو أفصح العرب قاطبة، ولو كانوا يرون كلامه مختلفًا في ذلك عن كلام العرب لميَّزوه منه، ولَمَا أوردوه حين استدلالهم به في ثنايا كلامهم غير منسوب إليه - صلى الله عليه وسلم - في كثير من المواطن من مصنفاتهم.

والوجه الثاني: أن يكون زاد النحويين من الحديث النبوي قليلًا؛ لأنَّ معظم أساتيذهم كانوا من رواة اللغة والشعر، ولم يكن فيهم من المحدِّثين إلا قليل، والتلاميذ عادة يقلدون شيوخهم.

وفي ضوء هذه الحقائق التي رأيناها يتبدَّى لنا تهافتُ دعوى عدم احتجاج النحويين بالحديث النبوي تاريخيًّا، كما يتجلَّى لنا قصور مذهب المتوسطين في ذلك عن الغاية المرجوَّة، ويبدو أنهم أخطأوا الهدف حين استبعدوا قسمًا من الحديث، فلم يعدُّوه حجة في الدرس النحوي؛ لأنَّ عملهم هذا يؤدي إلى حرمان العربية من كنْز ثمين، وإن كان موقفهم دون موقف المانعين الذين يهدرون ثروة لغوية نفيسة من تراثنا اللغوي النثري.

وبعد هذا البحث إخال أنَّ غبار الشك الذي أثير في قرونٍ سالفة وفي مطلع القرن السابق حول هذا الأمر قد تبدد؛ وأنَّ ظلام تلك الشبهة قد انكشف، وأنَّ الاتهامات التي اصطنعوها قد رُدَّت إليهم، وأنَّ التُّرَّهات التي ادَّعَوها ظهر تهافتها.

وفي ختام هذا البحث أقول: إنه ينبغي الاحتجاج بكل ما ثبت أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت