ثانيا: لا مانع أن يجتهد سيادته في إعمال فكره لخدمة الدين والأخذ بأيدى المسلمين إلى عليين ، وترك سبيل المتواكلين المعتمدين على شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم مع تماديهم في العصيان ، لكن إعمال الفكر والنظر بالمعقول يكون ممدوحا إذا أدى إلى إظهار الدين والعمل بالمنقول ، أعنى الكتاب والسنة ، وليس من شيمة المسلم أن يجعل المنقول مطية للمعقول ويضرب أدلة الكتاب والسنة ويخالف إجماع الأمة ، فطريقة الموحدين من أهل السنة تقوم على إظهار ما جاء في النقل من أوجه الكمال ، وأن العقل مطية للنقل يعمل الفكر ويبذل الجهد ليضع النص فوق الرؤس عاليا خفاقا ويقوم خادما له وداعيا إليه سعيدا بما ناله من شرف الخدمة ، وأنه لا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح بل العقل يشهد للنقل ويؤيده ، فالذى خلق العقل هو الذى أرسل إليه النقل ومن المحال أن يرسل إليه ما يفسده ، فهو سبحانه أعلم بصناعته لعقل الإنسان وأعلم بما يصلحه على طول الزمان ، فإذا وضع نظاما لتشغيل صنعته وألزم الإنسان العمل بشرعته ، كان من المحال أن يضل الإنسان أو يشقى أو يعيش معيشة ضنكا ، إذا اتبع منهج الكمال كما قال رب العزة والجلال: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } [طه/123] ولو فرضنا أنه ظهر خلل أو تعارض بين العقل والنقل ، فذلك لسببين لا ثالث لهما: إما أن النقل لم يثبت فينسب الإنسان إلى دين الله ما لم يؤثر أنه مسموع ، من أنواع الضعيف والموضوع ، وإما أن العقل لم يفهم النقل ولم يدرك خطاب الله على النحو الصحيح ، وهذا ما حدث من فضيلة الدكتور عندما خلط الأدلة وعقد الأمور .