إذ تلهم الآية الأولى أن المسلمين كانوا منقسمين في الرأي في المنافقين، منهم من يحسن الظن بهم ويعتذر ويأمل في ارعوائهم، ومنهم من لا يرى ذلك. ولقد ذكرت الروايات أنها بحق منافقي المدينة الذين خذلوا المسلمين في وقعة أحد، كما ذكرت روايات أخرى أنها بحق فريق من البدو أعلنوا إسلامهم ولكنهم لم يتضامنوا مع المسلمين في الجهاد والهجرة، بعض الروايات قالت إنها بحق الفريق الذي تخلف في مكة ولم يهاجر، والرواية الأولى قد تصح إذا دلت كلمة { يُهَاجِرُواْ} بمعنى يجاهدوا أو يخلصوا، وقد أوّلها غير واحد من المفسرين هذا التأويل.
ومع احتمال وجاهة الروايتين الأخريين فإن الرواية الأولى ـ بقطع النظر عن ظرف وقعة أحد ـ بهذا التأويل أوجه، لأن اختلاف المسلمين في الرأي في المنافقين أكثر احتمالا بالنسبة لمنافقي المدينة؛ وقد يكون في الآية الثانية تدعيم لذا أيضا إذ تذكر كفرهم، وتذكر تمنّيهم أن يكفر المسلمون مثلهم، وهذه صفات وصف بها منافقو المدينة على ما ورد في آيات التوبة وغيرها لا سيما أن الروايتين الأخيرتين لا تذكران بصراحة اتصاف البدو أو المتخلفين عن الهجرة في مكة بصفة النفاق والكفر ولا تتحمل حالتهم المروية هذه الصفة.
والأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا تولوا عن الهجرة والجهاد ولم يخلصوا الإيمان والعمل هم منافقو المدينة، فقد ورد في آيتي الأحزاب 60 و 61: { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } . فالمقصودون هم منافقو المدينة إذا لم ينتهوا.
وقد احتوت الآية الثانية حكم الله في هذا الخلاف، وفيه تأييد للمتشددين في أمرهم وبيان مواقع حالهم من لارتكاس في الفتنة والكفر والضلال.