والمرجح أنه كان للعصبية الاجتماعية والمصالح المشتركة الويقة أثر على من رأى التسامح الذي أبداه الفريق الأول، كما أن المنافقين كانوا يستغلون هذه الروابط القوية المؤثرة فيما كان منهم من مواقف دس وكيد وتشكيك وسخرية وعدم تضامن..، مما احتوت صوره آيات كثيرة، ثم في الاطمئنان من عدم الوقوف منهم موقف الشدة والغلظة رغم ما كان منهم من مواقف شديدة الأذى والكيد، فاقتضت الحكمة نزول الآيات بالحكم الحاسم والأمر الشديد حتى يسدّ الباب أمام هذا الاستغلال ويقف المسلمون موقفا واحدا ورأيا واحدا منهم، وهو موقف الشدة والنكفير إذا لم يتوبوا ويخلصوا.
ولقد احتوت إحدى آيات سورة النساء التالية:
{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } النساء...
إذ أن بعض المسلمين لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من التردد على مجالس الزعماء المنافقين، والإغضاء عما يدور فيها من كفر وهزء بآيات الله ونبيه صلى الله عليه وسلم، فأمروا بعدم مجالستهم أثناء الخوض في مثل ذلك على الأقل، كأنما رأت الحمة حرجا في منعهم عن مجالستهم مطلقا.
من هنا تبدو لنا ناحية من حكمة الخطة النبوية في المنافقين، التي شرحناها في الفقرة السابقة. ولما كانت هذه الخطة المذكورة قد استمرت الى آخر العهد النبوي أو آخره، فإن هذا يسوغ القول إن فريقا من المسلمين ظلّ على رأيه في العطف على ذوي قرباه منهم، والاعتذار عنهم وأمله في ارعوائهم، وظلّ متأثرا بالعصبية والقرابة والمصلحة، وإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى من الحكمة أن يستمرّ في خطته تلك.
أما ما ورد في عدم الاستغفار لهم والصلاة عليهم: