وفي الآية الخامسة تبدو صورة أخرى لهم في تثبيطهم أهل المدينة وتخويفهم إياهم ودعوتهم الى الرجوع الى المدينة، وصورة ثانية أيضا في استئذانهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة الى بيوتهم لحمايتها وزعمهم كذبا أنها مكشوفة للعدو، وقد قررت هذه الآية الخامسة والآية السادسة واقع أمرهم في الحقيقة، فهم لا يبغون إلا الفرار، وإذا قدّر للعدو أن يدخل الى المدينة منصورا وطلب منهم أن يجهروا بالكفر وأن يثيروا الفتنة لما توقفوا في الإجابة الى ذلك، ويبدو من الآية السابعة أن المنافقين عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأشهدوا الله عليهم على عدم الفرار بعدما كان منهم ما كان في وقعة أحد فذكرتهم الآية بهذا العهد تذكير تأنيب وتنديد.
وفي الآية التاسعة صورة أخرى لهم في ظروف الوقعة إذ تلهم أنه كان منهم من يبثون فكرة الالتحاق بمعسكر النبي صلى الله عليه وسلم لتعويق الناس عنه، ويدعون بني قومهم وذوي قرباهم الى الانضمام اليهم بحجة الرغبة في القتال فريقا خاصا، في حين أنهم كانوا لا يقصدون إلا التفريق، ولم يبيّتوا النية على الاشتباك في الحرب إذا نشبت بصورة فعالة.
وفي الآية العاشرة تقرير آخر لواقع حالهم، فهم بخلاء، وحينما يحدق بهم الخطر يظهرون جبنا شديدا صوّرته الآية أبلغ تصوير، وحينما يذهب الخوف يطلقون ألسنتهم بالنقد الشديد والتبجّج العريض، وهم بعيدون عن كل خير. وفي الآية العشرون وهي الأخيرة صورة أخرى لهم، إذ يبدو أنهم حينما قيل لهم إن الأحزاب قد ارتدوا خائبين عن المدينة لم يكادوا يصدقون. وقد احتوت تقريرا لحالة فرضية لهم متصلة بموقف الجبن وعدم التورط الذي وقفوه، فقررت عنهم أنه لو عاد الأحزاب ثانية لتمنوا أن يكونوا في البادية بعيدين عن المدينة، فلا يشهدوا الوقعة، ولا يتورطوا فيها، ويكتفوا بالسؤال عن الأخبار، وقد استدركتها الآية فقررت أنهم لو كانوا مع المسلمين لما قاتلوا قتال جد فيه عناء.