وهي صورة متصلة بوقائع الجهاد من بعض النواحي أيضا، إذ حكت الأولى تربّص المنافقين الدوائر بالمسلمين حتى أنهم ليستاؤون من فتح يفتح عليهم، وليتمنون أن تدور الدائرة عليهم. وهذه المساجلة التى تآمر بها. الآيات تدل على ما كان من شدة أثر مواقف المنافقين في نفوس المسلمين في ظروف الوقائع الجهادية كما هو المتبادر.
والآية (53) مع ما ورد في صددها من روايات، تلهم أن المنافقين حاولوا أن يفتدوا أنفسهم بالاشتراك ماليا في غزوة تبوك فألهم الله نبيّه رفض ذلك مع تعليل الرفض في الآية، وهو تعليل بليغ يلهم أن قبول المال منهم قد يتخذ دليلا على تصديقهم فيما يدّعونه من نيات حسنة ويقدّمونه من أعذار كاذبة.
ومنها الآية التالية:
{وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) } التوبة.
وقد تضمنت صورة لمنافقي الأعراب، فقد كانوا يعتبرون ما يؤخذ منهم من مساعدات وصدقات، تكاليف إجبارية، وكانوا يدفعونها تفاديا لا إيمانا واحتسابا، وكانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر حتى يخلصوا من هذه التكاليف.
ولقد نقلت سابقا الآية (8) من سوة"المنافقون"، ولها اتصال وثيق بموقف المنافقين أثناء إحدى الغزوات النبوية، إذ روي في صددها أن أنصاريا خزرجيا تلاحى مع قرشي فاستغاث كل منهما بقومه على عادة العصبية الجاهلية، وكادت تكون فتنة هوجاء فأخذ عبدالله بن أبيّ كبير المنافقين الغضب والحميّة وأقسم: لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، كأنما كان واثقا من أنه هو الأعز. ففي الآية من جهة صراحة بأن المنافقين كانوا أحيانا يخرجون في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها من جهة أخرى صور لما كان من استعدادهم لإثارة الفتنة بين صفوف المسلمين أثناءها.