فهرس الكتاب
والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى:?إنما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب? (الزمر:10) .
والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط، مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع (كالشكوى باللسان أو البطش باليد أو رسم أمارات الغضب على الوجه...) .
والرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم وإن وُجد الإحساس بالألم، ولكن الرضا يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة"79."
أما الثالثة: أن يسخط على قضاء الله، فيكون بذلك قد خرج من دائرة المتوكلين إلى دائرة المتَّهِمين لله رب العالمين، نسأل الله أن يعيذنا من حالهم أجمعين.
واعلم أيضًا أن للعبد في كل مكروه يصيبه ستة مشاهد:80
"أحدها: مشهد التوحيد، وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن."
والثاني: مشهد العدل، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.81
والثالث: مشهد الرحمة، وأن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه82.
والرابع: مشهد الحكمة، وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك، ولم يقدره سُدى ولا قضاه عبثًا.
والخامس: مشهد الحمد، وأن له الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه83.
والسادس: مشهد العبودية (وهو أعلاها وأجلها) وأنه عبد محض من كل وجه، تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحُكم كونه مِلكَه وعبده، فيصرفه تحت أحكامه القدرية، كما يصرفه تحت أحكامه الدينية، فهو محل جريان تلك الأحكام عليه".84"
ثانيًا: إذا كانت المقادير محبوبة:
فليعلم العبد أولًا أنها ابتلاء من الله له لينظر: أيشكر ويعترف بنعمة الله عليه، وأنه وحده الذي وهبه إياها ولو شاء لحرمه منها.. أم يكفر وينسبها إلى نفسه.. أو إلى الحظ.. أو إلى إي شيء من خزعبلات الجاهلين.