فهرس الكتاب
إن كل أسباب الأرض وقوانينها تقول إنهم فعلًا هالكون لا محالة.. إما غرقًا وإما بسيوف الفراعنة، ولكن قوانين الأرض من صنع الله.. ومن كان الله معه لا تهمه قوانين الأرض ولا أعراف البشر ?قال: كلا..إن معي ربي..سيهدين? (الشعراء:62) .. ولا ينتهي من كلامه حتى تأتيه النجدة الإلهية على وجه السرعة:?فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فِرق كالطود العظيم? (الشعراء:63) وتتبدل قوانين الأرض من أجل عبد متوكل على الله.. وتتغير خواص الماء من أجل الكليم.. كما تغيرت من قبل خواص النار من أجل الخليل.
وهذا إمام المتوكلين وسيد المستعينين بالله رب العالمين..حين جاءه من يهدده ويخوفه من أن قريشًا قد جمعت همتها ورجعت لتحاربه بعد أُحد.. وأنهم جاءوا ليقضوا عليه وعلى أتباعه.. فما زاد على قوله:?حسبنا الله.. ونعم الوكيل? (ال عمران:173) .. فيأتيه الجواب على وجه السرعة:?فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء? في أمور دنياهم ?واتبعوا رضوان الله? في أمور دينهم ?والله ذو فضل عظيم? (ءال عمران:174) .
وعندما هم بالهجرة من مكة إلى المدينة.. وضع خطته وأحكمها.. وأحاطها بسرية تامة.. يصعب معها أن يعرف المشركون مكانه..ولكنه مع ذلك كان يعلم- صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأسباب لا تغني عنه من الله شيئًا.. وهذا ما حدث بالفعل.. فإن المشركين جاءوا إلى الغار ووقفوا على بابه..ونفدت كل أسباب الأرض..ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتغير من ثباته شيء.. فهو لا يعتمد على الأسباب وإنما يعتمد على رب الأسباب.. ولذلك لما قال له صاحبه- رضي الله عنه-:"يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا"رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في لهجة الواثق بربه:"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟!"113 ?لا تحزن إن الله معنا? (التوبة:40) .