فهرس الكتاب
... إن هذا الكلام الذى نراه وإياك جميلا يعتبر سذاجة وأنصاف حلول وتمييعا للقضية عند بعض شباب الدعوة الذين يأخذ الإقدام بمجامع قلوبهم، فيتطرفون في الجد، ولربما رأوا هذا الإصلاح انحرافا عن خط الدعوة الأصيل القائم على تغيير المنكر.
... ولقد صدق أحبابنا هؤلاء وأخطأوا في آن واحد، فإن تضييق معنى الدعوة وحصره في هذا الجانب الإصلاحى العام يعتبر تخليا عن الصراع الفكرى السياسى لدعوة مبتدؤها ومنتهاها الإسلام الذى يرتكز على الجهاد والنهى عن المنكر، ولربما تعتبر هذه الخطة الإصلاحية في البلدان ذات الحرية أو التى يحكمها ضعاف الحكام انهزامية تؤثر السلامة والدعة والطريق المريح ونكوبا عن مسيرة الاستدراك الحازم.
... ولكن ما ضر الحزم الواعى والأهداف التغييرية أن يظاهرها إصلاح معين، وتهذيب أخلاقى ممهد، وافتعال لظروف مساعدة توجه لها الطاقات الثانوية والعناصر السائبة ورجال الإدارة الحكومية الذين تنبض فيهم عروق إيمانية؟
... وفى البلدان ذات الحكم الإرهابى والبطش والتنكيل، ماذا يكون طريق مفتوح للعمل الإسلامى غير مثل هذا الإصلاح الذى يحفظ الأجواء الإسلامية باقية حية ليصار إلى استغلالها بعد مدة حيت يزول الإرهاب أو تضعف قبضته ؟.
... إن الطغاة لا يمكنها أن تلاحق كل هذه الجوانب من العمل الإسلامى العام، وإن تمنت ذلك واشتهته فإن في ملاحقتها له زيادة نفرة الناس عنهم، وتعجيلا بعزلهم التام عن كل الشعب، ثم سقوطهم، وفى هذا ما يوجد أمام الدعاة فرص نشاط عام مهما تجبر ملاحدة الحكام.
... وعلى ذلك فإن نسبية صواب الإنغماس في أعمال الإصلاح واضحة، لشخص دون شخص، وفى ظرف دون ظرف، وفى بلد دون بلد، والعيب ليس في بذل مثل هذه المساعى القيادية في الإصلاح، بل العيب في الاقتصار عليها وترك ما يظاهرها في العمل التنظيمى الجاد والخطط التغييرية الحازمة.