فهرس الكتاب
فلو كان مراد النبى / هو حشد مقاتلين من كل مذهب ودين لرضي بكل من جاهد معه من المسلمين والمشركين، ولما خاف على صغار السن من الصحابة في الجهاد حينما كانوا يستأذنوه، ولما رخص لأهل الأعذار في التخلف عن الجهاد، ولرخص للنساء في الجهاد، لكنه منهاج النبوة، فالله يؤيد أهل الحق ولو كانوا قلة، على أهل الباطل ولو كانوا كثرة.
والنبى / يوضح سبب النصر والتمكين لعباد الله الموحدين في قوله: (ابغوني الضعيف، فإنكم إنما ترزقون، وتنصرون بضعفائكم) [1] ، فهؤلاء ما مسكوا سيفًا، ولا رموا قوسًا، بل جاهدوا بدعائهم رب العالمين، أن يعلي رايتهم على راية أعداء الدين.
2.لا يكون التمكين إلا لعباد الله الموحدين
فقد قال تعالى: / وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ آمنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ/ [النور (55) ] ، والشاهد من الآية قوله تعالى: / يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا/، فكيف يكون هذا التمكين، لمن بدل دين رب العالمين، وذهب لعبادة القبور والأولياء، وصرف لهم الخوف والرجاء، وجعل ستارًا على التوحيد، وجعل مكانه الشرك والتنديد.
فمتى نصرنا الله عز وجل بتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته كان وعدًا من الله نصر المؤمنين، قال تعالى: / يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ/ [محمد (7) ] .
أن من ترك المنكر بين صفوفنا فقد شابه اليهود الملاعين، واستحق اللعنة من رب العالمين ومنع من النصر والتمكين، فقد لعن الله عز وجل بنى إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذ قال: / لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بنى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ/ [المائدة (78 - 79) ] .
وقال متوعدًا من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى / إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ/ [البقرة (159) ] .
سادسًا: من ينادون بوحدة الصف قبل وحدة الرأى، أمصلحون أم مفسدون؟
أصوات تعلوا تنادى بالوحدة والإصلاح قائلة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!!!
وأخرى تقول لِنَطرَحَ كل خِلافٍ خَلفَ ظهورنا ونقبل على الجهاد!!!
ويظنون أن الصف يتصدع بذكر الخلاف!!!
ويرد صوت الحق الذى لا صوت يعلو فوقه على هذه الأصوات قائلًا: على أى شئ نتحد؟ وعلى أى شئ نجتمع؟ أعلي الحق أم الباطل؟ على التوحيد أم الشرك؟ على السنة أم البدعة؟ فهل يمكن الاجتماع على التقيضين؟! حق وباطل، توحيد وشرك، سنة وبدعة؟!
أين ذلك من الولاء لأهل الصلاح والإيمان، والبراءة من أهل الكفر والفسق والبدع؟!
فالله عز وجل من رحمته بالمؤمنين ألف بين قلوبهم على عقيدة واحدة ورأى واحد في قوله: / هُوَ الذى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الأَرْضِ جميعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ / [الأنفال (62 - 63) ] ، فإذا حدث الخلاف دل على الشقاق، ووجب مقاومته، فإن أهل السنة مجتمعون على كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة (توحيد الصف) ، ومجتمعون على أن وحدة الصف فرع على وحدة العقيدة التى هى الأصل الذى جمع الله عليه هذه الأمة بعد أن كانوا متفرقين قبل الإسلام.
فليس كل خلاف يمكن تجنبه، فمن الخلاف ما هو معتبر لا يسبب الفرقة والشقاق إلا عند أهل الغلو الذين يفرقون الأمة بالمسائل الإجتهادية كالخلاف في حكم تارك الصلاة والخلاف في وجوب النقاب وفى مسألة اختلاف المطالع في الصيام وغيرها من المسائل، أما إن مَسَّ هذا الخلاف عقيدة المسلمين وتوحيد رب العالمين، فإنه يلزم إنكاره كما كان ذلك من هدى سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين.
سابعًا: هل سبيل السلف أن تكون فرق وأحزاب وجماعات بدلًا من الجماعة الأم؟
علت أصوات حزبت الأمة أحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون، كل حزب يرى أنه جماعة المؤمنين، كل حزب يرى أن الحق فيه وفيمن تبعه، وأنه الأولى بالإتباع، كلُ حزب يثور لجماعته، ويرى هلاك من خالفه، فتركوا الجماعة الأم جماعة المسلمين، وخالفوا أئمة السلف وأتباعهم السائرين على منهاج خاتم المرسلين، بل ولم يقبلوا منهم سبيلًا، ولم يقبلوا في أئمتهم جرحًا ولا تعديلا، بل منهم من قال هم رجال ونحن رجال، فشابه المقال المقال، شابه مقالهم مقالة الخوارج حينما كَفَّروا عليًا رضى الله عنه وأصحابه، وكان لسانُ حالهم يقول هم رجال [2] ونحن رجال [3] فرد عليهم ابن عباس رضى الله
(1) أخرجه الإمام النسائي في سننه كتاب الجهاد باب الاستنصار بالضعيف (3179) وصححه الألباني
(2) أي علي وأصحابه
(3) أي الخوارج