الصفحة 132 من 316

لما كان صلح الحديبية، ورد النبى / أبا جندل للمشركين، وفاءًا بعهده لهم، فما كان من أمره إلا أن لحق بأبي بصير رضى الله عنه، وكان كلُ من أرادَ أن يهاجرَ من مكة لحق بهم، ولا يذهب للمدينة لما كان من العهد بين المسلمين والمشركين، إذ لا يجوز نقضه، ولا بد من ردهم، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا طريقها، وقتلوا من فيها، وأخذوا الأموال التى كانوا يتجرون بها، فأرسل المشركون إلى النبى / يناشدونه بالله والرحم لما أرسل إلى أبى بصير ومن معه، ومن أتاه منهم فهو آمن، وتخلوا في ذلك عن أقسى شروطهم التى كانت تنم عن الكبر والغطرسة، فذلت قريش من حيث طلبت العزة في هذا الصلح بما وضعته من شروط تظن أنها في صالحها.

فأرسل النبى / لأبى بصير وأصحابه رضى الله عنهم وهم بناحية العيص أن يأتوا إليه، وأن يكفوا عن القوم، فقدموا عليه وكانوا قريبًا من الستين أو السبعين، فآوى النبى / تلك العصبة المؤمنة التى أقضت مضاجع قريش، وأرغمتها على إسقاط شرطها التعسفى، فزادت بهم قوة المسلمين وقويت بهم شوكتهم، واشتد بأسهم حتى صاروا شوكة في حلوق المشركين.

غير أن أبا بصير رضى الله عنه رأس تلك العصابة ومؤسسها، لم يقدر له أن يكون معها، فقد وافاه كتاب النبى / بالعودة إلى المدينة، وهو على فراش الموت، فلفظ أنفاسه حيث كان في الثغر، وهواه في قلب المجتمع النبوي في المدينة.

فكان من كرمه أن كف أبا بصير ومن معه عن عير قريش، وأمرهم ألا يتعرضوا إليهم، وأن يلحقوا به في المدينة، إذ قبلت قريش بهجرة المسلمين للمدينة وعدم ردهم لأن في ذلك مفسدة لهم.

3.كرمه مع هوازن في رد السبى لهم

لما نصر الله نبيه / في حنين وجاءته الوفود سألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم فقال: (إن معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي، وقد كنت استأنيت بهم) ، وكان النبي / انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن النبي / غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام النبي / في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإن أخوانكم جاؤونا تائبين، وإن رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل) ، فقال الناس: طيبنا ذلك، قال: (إنا لا ندري من أذن منكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت