الصفحة 137 من 316

يصف نفسه بأنه العزيز، ورغم ذلك كله فإن النبى / ما يزيده ذلك إلا حلمًا، فبينما يتحمس عمر رضى الله عنه لنصرة دين الله في هذا الموقف ويريد قتل هذا المنافق، إلا أنه ما يستطيع أن يتقدم على رسول الله / ولا أن يفعل ذلك من تلقاء نفسه، فنجد رسول الله / يقول لعمر رضى الله عنه درءًا للفتنة: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ثم يأمر النبى / عمرًا رضى الله عنه أن يَاذَنَ له في الرحيل. فما كان ذلك الحلم منه إلا خلقًا رفيعًا يُحَصِلُ به المصالح لدين الله ويدرء به المفاسد، فلو أنه فعل ذلك لقال الناس: ها هو محمد يقتل أصحابه، فها هو النبى / يعلم أمته درسًا في الحلم من أجل الغاية المنشودة، وأن يراعوا في أفعالهم ما قد يقدح في دعوتهم.

4.فى صلح الحديبية (ذو القعدة 6 هـ)

يُعَدُّ صلح الحديبية بأحداثه الجمة بمثابة مدرسة أخلاقية للمجاهدين في التعامل مع ولى الأمر وتوقيره وعدم التقدم عليه، والحلم في معاملة الرسل، وفى معاملة الجنود، وقبول الرأى من النساء إن أصابوا الحق، فإنها بحق تستحق مؤلفًا خاصًا بأحداثها من أولها لأخرها.

ونذكر هنا بعض المواقف التى تنم عن حلمه / في هذا الصلح:

-حلمه / مع رسل قريش: جاء عروة بن مسعود في صلح الحديبية رسولًا يمثل قريشًا ليفاوض النبى / وفى أثناء حديثه قال لرسول الله /: (إني لأرى أشوابًا [1] من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك) [2] .

فبينما يتحدث رسول المشركين إلى خير المرسلين بهذا الأسلوب نجد خير صحابة رسول الله / أبا بكرٍ الصديق ما يتحمل هذه الإهانة التى توجه إلى أمة الإسلام فيرد عليه طاعنًا في آلهته، بينما رسول الله / ما يزيد على الصمت، الصمت الذى هو في هذا المحل هو غاية الحلم والحكمة، فبينما يُطعن في خير أمة أخرجت للناس، وفى خير صحبة لخير الأنبياء، ما يقابل ذلك إلا بالحلم الذى يُنَالُ به ما لا يُنَالُ بالعنف في مثل هذا الموقف، فلكلٍ محله.

وفى نفس الموقف حينما جاء سهيل بن عمرو آخر رسل قريش يوم الحديبية وقام بعقد الصلح مع النبى، وأثناء كتابة الصلح قال للنبى / معترضًا عليه حين قال النبى / لعلي بن أبى طالب رضى الله عنه: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم ثم قال رسول الله /: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو) فقال سهيل: لو شهدت

(1) من الشائبة وهى من الدنس والقذر ونحوهما

(2) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد (2731)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت