الصفحة 150 من 316

فبينما كان رسول الله / يحصن الأبرياء ويذب عنهم، إذ نجد الآن أقوامًا، من ورثة الخوارج يتحصنون بالأبرياء، ويقضون عليهم، وما ذلك إلا لشبهات تشبعوا بها وألقوا على الناس بها.

الشبهة الأولى: إنا نجاهد الطواغيت (حكام المسلمين) وأتباعهم الذين يساندونهم في أمورهم

يقصدون بالطواغيت حكام المسلمين، لأنهم في زعمهم قد استحلوا المعاصي، فأباحوا الربا والخمور والزنا ويحكمون بغير ما أنزل الرحمن فاستحقوا بذلك الخلود في النيران.

الرد: قال تعالى: / قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ/ [الأنعام (148) ]

ففرق كبير بين من وقع في المعصية وبين من استحلها، فهم يتهمون حكام الأمة بأنهم كفار مرتدون لمجرد ارتكابهم بعض المعاصي في زعمهم، فيقولون أحلوا الربا، والدليل وجود البنوك، وأحلوا الخمر والزنا، والدليل إقامة الملاهي الليلية، والرد على ذلك أن وجود المعصية ليس بدليل على الاستحلال، وأن هذا مذهب الخوارج الأوائل الذين قال فيهم النبى / أنهم شر قتلى تحت أديم السماء.

فقد وُجِدَ الربا والخمر والزنا في عهد النبى /، وأقيمت الحدود على الزاني وشارب الخمر، ولم يُحكَم بكفرهم، رغم عظم ذنبهم، ولكن الله أرحم بعباده منكم.

ثم هل يقال: إن المتبرجة كافرة لأنها إمتنعت عن إرتداء الحجاب الشرعي؟!

من أين لكم العلم بالاستحلال من عدمه إلا إن إطلعتم على نوايا العباد التى لا يعلمها إلا ربهم؟!

أو كان عندكم من الله فيه برهان؟!

وإن قيل قد حكموا بغير ما أنزل الله، قلنا هل المبتدع حاكم بما أنزل الله أم لا؟!

إن قلتم نعم وَلَمْ تُكَفِروهُ فما الفارق؟!

إن قلتم إن الحاكم مستحل للحكم؟ قلنا أهو الاستحلال العملى أم القلبي؟ فإن كان العملى فهي كالشبهة السابقة، وإن كان القلبي فكيف علمتموه إلا أن يكون قد صرح به؟ فإن صرح به فهو الكفر البواح الذى فيه من الله برهان، وما دون ذلك إفك وبهتان، لا يليق بأخلاق أهل الإيمان.

فأين التثبت والبرهان اللذان فقدهما الخوارج وأتباعهما في هذا الزمان؟!

ثم قالوا أيضًا نجاهد أتباعهم-أتباع الحكام الذين يعاونونهم في الأمر -، ويقصدون بذلك كل من يعمل مع ولى الأمر ويعاونه في أجهزته.

فبفرض صحة هذا القول المفترى، فإن معاونة المشرك في أمور الدنيا لا حرج فيها، فقد عاون يوسف عليه السلام شئون الحكم مع العزيز فكان وزيرًا في أهل الشرك في أمور الدنيا، فهل كان كافرًا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت