الصفحة 172 من 316

فقد كان / ينهى أصحابه رضوان الله عليهم أن يتمنوا لقاء العدو، فقد قام خطيبًا في الناس في غزوة الأحزاب قائلًا: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [1] .

فها هو رسول الله / ينهى أصحابه عن تمنى قتال الأعداء، لما فيه من إزهاق للأنفس، واستعجال ثمرة الجهاد باستخدام الوسائل الأقصي قبل الأدني، ولما فيه من ترك الحرص على هدايتهم قبل جهادهم، فلا بد من الدعوة أولًا بالسان قبل الجهاد بالسيف والسنان.

كذلك فإننا نجد في نهى النبى / عن تمني لقاء العدو إشارة لما قد يحتويه من الإعجاب والإتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وقلة الاهتمام بالعدو واحتقار شأنه، وهذا مخالف للاحتياط، وقد تأول بعض العلماء هذا النهى على أنه إنما هو النهى عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في المصلحة فيه وحصول ضرر وإلا فالجهاد من أجل الطاعات، إذ وصفه خاتم المرسلين بأنه ذروة سنام هذا الدين.

فالسلامة من لقاء العدو من العافية المحمودة التى أرشد النبى / أصحابه لها، وهذا يوضح الكذب والبهتان فيما افتراه أعداء هذا الدين عليه، من أنه دين يتعطش للدماء، فيسعي لقتل مخالفيه، وينمي العنف والشر في بَنِيه، فها هو رسول الله / ينهي أصحابه عن تمني لقاء العدو، وأن من العافية عدم التقاء الصفوف وبذل الطرق الأيسر فالأيسر كما مر ذكره.

2.فهم الصحاية لعدم تجاوز القتال لغير المقاتلين من المشركين وإقرار النبى لهم: فقد روى الإمام بن ماجه من حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال: (بعثنا رسول الله / ثلاثين راكبا في سرية فنزلنا بقوم فسألناهم أن يقرونا فأبوا فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا أفيكم أحد يرقي من العقرب فقلت نعم أنا ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما قالوا فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فقبلناها فقرأت عليه الحمد-يقصد سورة الفاتحة- سبع مرات فبرئ وقبضنا الغنم فعرض في أنفسنا منها شيء فقلنا لا تعجلوا حتى نأتي النبي / فلما قدمنا ذكرت له الذي صنعت فقال أو ما علمت أنها رقية اقتسموها واضربوا لي معكم سهما) [2]

وبتحليل هذه الواقعة نجد الآتى:

-أن صحابة رسول الله / لم يقاتلوا هؤلاء القوم من المشركين لأنهم ما خرجوا من أجل قتالهم خاصة، وفى ذلك دليل على حرص أهل الإسلام على عدم البغى والعدوان والغدر بمن نزلوا في ديارهم من المشركين، وتبعا يصب ذلك في حرصهم رضوان الله عليهم على السلام.

-أنه رغم أن هذا الحى من المشركين أبوا أن يضيفوا المسلمين إلا أن ذلك لم يثر في نفوس المسلمين حمية الجاهلية التى افتراها أعداء الإسلام على المسلمين بأن خروجهم من أجل الدنيا، فلو كان كذلك لكان الغدر قرينًا لهم ولأخذوا ما أرادوه عنوةً، وفيه أيضًا دليل على حرصهم على السلام، وعلى سمو أخلاق أهل الإسلام.

-أنهم قاموا برقية سيد هذا الحى من المشركين رغم أنهم أبوا أن يضيفوهم، مما يدل على كرم أخلاقهم ورقى صنيعهم، فها هم المشركون يسيؤون والمسلمون يعفون ويحسنون.

-أن الصحابة بعدما عادوا لرسول الله سألوه عن الحكم الشرعى فيما وقع من أجل التثبت من اجتهادهم أأصابوا فيه أم أخطأوا؟ فهو الحرص على التثبت من العمل الذى تَمَّ الاجتهاد فيه.

3.سرية حمزة بن عبد المطلب (1 هـ) : توسط مجدى بن عمروالجهنى بين الفريقين فلم يحدث قتال بين الفريقين لأنه كان حليفًا لكليهما. فهذه السرية تعد من أوائل السرايا التى أرسلها رسول الله /، وكونه سالم فيها يدل على أن السلام في الإسلام كان سابقا على أعمال الحرب مع المخالفين.

4.فى غزوة الأبواء (صفر 2 هـ) : عاهد رسول الله / سيد بنى ضمرة -مخشى بن عمرو الضمرى- فأمَّنهم فيه على أموالهم وأنفسهم وأن لهم حق النصرة ماداموا لم يخونوا العهد، فقد أرسل لهم رسول الله / بكتاب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لبنى ضَمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأنَّ لهم النصر على من رامهم، إلا أن يُحاربوا في دين الله ما بل بحرٌ صوفه [3] وأن النبى / إذا دعاهم لنصرة أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله، ولهم النصر على من برَّ منهم واتقى) [4] .

5.موادعة جهينة: فقد أرسل رسول الله / إليهم كتابًا قائلًا فيه: (إنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وإن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلا في الدين والأهل، ولأهل باديتهم من بر منهم واتقى ما لحاضرتهم) [5] . ففى هذا الحديث دليل على أن رسول الله / لم يكن حريصًا على سفك

(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الجهاد باب كان النبى / إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس (2966)

(2) (( أخرجه الإمام ابن ماجه في سننه كتاب التجارات باب أجر الراقي(2156)

(3) (( كناية عن التأبيد والاستمرار.

(4) (( سبيل الهدي والرشاد(4/ 14)

(5) (( سبيل الهدي والرشاد(11/ 388)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت