فهرس الكتاب
الدماء، بل دينه دين السلام، فها هو يعقد صلحًا مع المشركين ويعقد معهم عقد ولاءٍ ينصر كل منهما الآخر ضد عدوه.
6.عقد صلح الحديبية (ذو القعدة 6 هـ) لمدة عشر سنوات
كان ذلك جليًا حينما خرج النبى / وأصحابه رضوان الله عليهم لا يطلبون قتال المشركين، بل يطلبون أداء شعيرةٍ من شعائر الله عز وجل وهى العمرة لبيت الله الحرام، وكان يخشي رسول الله / أن تصده قريشًا عن البيت الحرام فلا يستطيعون أداء الشعائر، وبالفعل حينما علمت قريش من عيونها بخروج النبى / وأصحابه قاصدًا مكة فظنوا أنه خرج لقتالهم واستحلال البيت الحرام فتأهبوا لذلك.
ولما وصل النبى / بعسفان لقيه بشر بن سفيان الخزاعي رضى الله عنه وأخبره قائلًا: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك ومعها العوذ المطافيل [1] ولبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم إلا عنوة أبدًا فقال النبى /: (يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإن أجابوني كان الذى أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون) [2] .
فنرى هنا استنكار النبى / فعل قريش قائلًا: (لقد أكلتهم الحرب) أى أنهم متشوقون للقتال، ودل ذلك على كراهيته للحرب، وميله للسلام، ونبذه العنف الذى سلكته قريش معه، وهو قاصدٌ البيت الحرام لأداء النسك، فلم يأتى ديارهم محاربا لهم، أو منتهكا للحرم.
وقد حدثت مشاوارات بين النبى / وأصحابه رضوان الله عليهم أثناء مسيرهم حينما علموا بخروج خالد بن الوليد إليهم، وكانت المسألة: هل نقاتلهم أم نستمر في سيرنا؟
فأشار أبو بكر رضى الله عنه على النبى / أنهم ما خرجوا إلا للنسك طاعة لله، ولم يخرجوا للجهاد، فعلام التأهب لقتالهم، فاستقر الرأى على ذلك.
ولما علم النبى / بخروج خالد بن الوليد في جيش يقصدون المسلمين، سلك النبي / طريقًا آخر حتى يتفاداهم لأنه ما خرج لقتال وما دعا إليه، وهذا هو الشاهد، وهو حرصه / على السلام والموادعة، فقد غَيَّرَ رسول الله / طريقه ليتفادي اللقاء مع خالد رضى الله عنه.
ومن حرص رسول الله / على السلام في هذا الموقف أنه أرسل إلى قريش عثمان بن عفان رضى الله عنه حتى يُثبِتَ لهم أنه ما جاء لقتال، بل جاء مسالمًا لأداء العمرة.
(1) (( يعنون خرجوا بنسائهم وأطفالهم لئلا يفروا
(2) (( أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد(2732)