فهرس الكتاب
هذا وقد أبان رب العالمين استحقاق الصابرين لمعيته في أيات عدة كما في قوله تعالى: /إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ / [البقرة (153) ] ، وكما في قوله / وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ/ [البقرة (249) ] ، كما أرشد الله عز وجل أن الصبر سببًا من أسباب المدد من الله عز وجل في قوله تعالى: / بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ/ [العمران (125) ] .
فلا بد من الصبر والأمل، وانشراح النفس في وقت الضيق والأزمات، بحيث ينتظر المرء الفرج لما أصابه، ويعمل على تغييره، فإن الصبر والأمل يدفعان إلى العمل، وتحقيق ما عجز عنه المرء من قبل، فلا ييأس حتى يحقق غايته، ويصل في طريقه ويجد ضالته.
ولولا الصبر والأمل لامتنع الإنسان عن مواصلة الحياة ومجابهة مصائبها وشدائدها، ولسيطر اليأس على قلبه، وأصبح يحرص على الموت، ولذلك قيل: اليأس سلم القبر، والأمل نور الحياة.
ثانيًا: مواقف من السيرة
لقد كان في سيرة رسول الله / وأصحابه رضوان الله عليهم المثال الأسمى لكافة صورالصبر،
صبر على الأذى، صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر عند اللقاء، صبر عند البلاء.
فقد ورد الصبر في عدة مواضع من سيره ومغازيه / تدل على كل ذلك نذكر منها:
1.الصبر على أحوال المعيشة وقت الجهاد
فقد روى الإمام البخارى رحمه الله من حديث جابر رضى الله عنه أنه قال: (إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبى / فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا) [1] .
فها هو النبى / وأصحابه رضوان الله عليهم، يصبرون على الجوع بالأيام ما يجزع منهم أحدًا، ويعصبون على بطونهم الحجارة بالأيام مما يلاقوه من شدة الجوع مع كثرة العمل، لا يثنيهم ذلك عما هم عليه من القيام بواجبهم، فإن العقيدة الصافية هى المنبع لأخلاقهم الزاكية، وسلوكهم النبيل.
2.الصبر على قتال الأعداء
فهذا الموطن موطن يُذم فيه الجزع أكثر من غيره من المواطن، ويُطلب فيه الصبرُ أيضًا أكثر من غيره، إذ أن الجزع والتسخط لا محالة يؤثران سلبًا على المجاهدين إن رأوا من يتسخط منهم، فيتمكن
(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب المغازى باب غزوة الخندق وهى الأحزاب (4101)