4 -تعظيم شعائر الله
أولًا: التمهيد
قال تعالى: / ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ/ [الحج (32) ]
شعائر الله: هى كل شيء لله تعالى فيه أمر ونهى، وهى من أَشْعَرَ به وأعلمه ومنه شِعَارُ القوم أى علامتهم ومنه إَشْعَارُ البُدن وقيل هو دين الله كله.
إن تعظيم شعائر الله هو احترام ما شرعه الله عز وجل لعباده، وتنفيذه وفق ما أمر به، فالتعظيم لشعائر الله هو في الأصل تعظيم لمن أمر به.
وفى هذه الآية يوضح الله تبارك وتعالي لعباده أن تعظيم شعائره هو علامة ودليل على ما يستقر في الباطن من الإيمان والتقوي، إذ أن ما في القلب من قول وعمل لا بد أن يجد له على الجوارح مسلكًا ومخرجًا يعبر عما سكن به.
ثانيًا: مواقف من السيرة النبوية
وما نذكره هنا هو ما كان من تعظيم لشعائر الله في سير ومغازى النبى / وأصحابه رضوان الله عليهم، فإنهم سلف الأمة وخيرها وأحرص الناس على تعظيم شعائر ربهم حتى في قتالهم، فَهُم يعظمون شعائر الله في ميدان القتال، الميدان الذى تحصد فيه الأعناق ولا يأمن من يدخله أن يخرج منه فلا يكون حريصًًا إلا على النجاة بنفسه، فيتكلف ويتأول حتى يصل إلى شاطئ النجاة بأى سبيل وأى تأويل، يعظمون شعائر الله تحت ظلال سيوف أعدائهم، والتى تريد حصد رقابهم، ورغم كل ذلك فنهم منقادون معظمون لما أمر به ربهم.
ويظهر ذلك التعظيم لشعائر الله جليًا من خلال عدة مواقف ومظاهر في سير مغازى رسول الله / منها:
1.عدم القتال في الحرم وعقوبة النبى / لمن خالف ذلك
فقد حرم الله عز وجل القتال في حرمه الذى جعله مثابةً للناس وأمنًا، ولم يحله إلا في ساعة من نهار لرسوله /، قال تعالى: / وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ/ [البقرة (191) ] ، وقد عاقب رسول الله / أحد صحابته رضوان الله عليهم في عام الفتح (رمضان 8 هـ) - وهو سعد بن عبادة رضى الله عنه - حينما قال لأبي سفيان (هذا يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة، اليوم أذل الله قريشًا) فشكي أبو سفيان ذلك للنبي، إذ المشركون يعلمون حرمة هذا البلد الأمين، فقال النبى / (هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسي فيه الكعبة) [1] ، ثم قام النبى / بنزع الراية من سعد لما بدر منه، وأعطاها لابنه قيس رضى الله عنهما.
2.عدم القتال في الأشهر الحرم وإنكار النبى / على المتأول في ذلك
الشهر الحرام هو ما حرم فيه ما لم يحرم في غيره، قال تعالى: / إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ/ [التوبة (36) ] ، وقال جل وعلا في جواز رد العدوان فيها: / الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ/ [البقرة (194) ]
وقد ورد تحديده في السنة النبوية في قول النبى / (الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشرا شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر، الذى بين جمادى وشعبان) [2]
فلم يقاتل النبى / في الأشهر الحرم ابتداءًا، بل كان ذلك ردًا على عدوان المشركين عليه، متبعًا لفلولهم، بل وقد أنكر النبى / على أصحابه حينما تبعوا ثلاثة من المشركين في الشهر الحرام وكانوا يخشون أن يلوذوا بالحرم فتبعوهم وقتلوا واحدًا منهم واسروا الباقين وساقوا عيرهم، فقال لهم النبى / (ما أمرتكم بالقتال في الأشهر الحرم) وتوقف عما أخذوه من العير والأسيرين إلى أن أطلق النبى / أسرهما وأدى دية المقتول.
3.عدم إنزال المحاربين على ذمة الله ورسوله أو حكم الله ورسوله
والمراد بإنزال المحاربين على ذمة الله ورسوله أن يقال لهم: انزلوا من حصونكم ولكم عهد الله وعهد رسوله ألا نقاتلكم، والمراد بإنزالهم على حكم الله ورسوله أن يقال لهم: انزلوا من حصونكم على أن نحكم فيكم بحكم الله ورسوله.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي أن النبى / قال: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا [3] ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن
(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب المغازى باب أين ركز النبى / الراية يوم الفتح؟ (4280)
(2) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب بدء الخلق باب ما جاء في سبع أرضين (3197)
(3) يقال خفر بفلان نقض عهده وغدر به. المعجم الوسيط مادة خفره