يكون هذا فعله ينطلق من عقيدة تحثه على فعل الخيرات وترك المنكرات، ولا ريب أن هذه الأخلاق القويمة هى مما أتى به وحى السماء لا من أصحاب الغرق في الملذات والشهوات.
ولا ينافى ذلك الأمر ما ورد من عدم إقامة الحدود قبل لقاء العدو كما روى الإمام الترمذى من حديث بسر بن أبي أرطأة أنه قال (لا تقطع الأيدي في الغزو) [1] ، فهو خاص بما قبل اللقاء، وذلك مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه، أو أن يتسبب إقامة الحد عليه في ضعفه فيتمكن منه الأعداء ويسهل النيل منه.
ثالثًا: الرد على شبهة انتهاك المسلمين للأشهر الحرم ومنافاتها لتعظيم شعائر الله
هذه الفرية تناولها أعداء الإسلام للطعن فيه، بأن المسلمين يخالفون شرعهم، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، فنهاهم ربهم عن القتال في الأشهر الحرم وهم يقاتلون، فأى دين هذا؟!
والرد على هذه الشبهة يكون من خلال محورين:
1.حكم القتال في الأشهر الحرم: الراجح فيها تحريم ابتداء القتال، وجواز استكماله فيها، فقد قال تعالى: /يا أيُها الَذِينَ آمَنُوا لا تُحلُوا شَعَائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ، ولا الهدى ولا القَلائِدَ/ [المائدة (2) ] ، وهذه الآية من أواخر ما نزل من القرآن، ولم يثبت النسخ لها.
وقال تعالى: / يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ / [البقرة (217) ] .
ودليل جواز رد العدوان في الشهر الحرام قوله تعالى:/ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ/ [البقرة (194) ] .
وهذا هو العدل والإنصاف، إذ ما السبيل لدفع العدوان في الأشهر الحرم إن إعتدي أعداء الإسلام على المسلمين، فلو كان الأمر هكذا لانتهز أعداء الإسلام الأشهر الحرم ولصار موسما للقضاء على المسلمين.
2.الواقعة محل الشبهة: بعث رسول الله / عبد الله بن جحش إلى نخلة (رجب 2 هـ) ، فقال: كِن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، فمضى القوم حتى نزلوا بنخلة، فمر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقًا قالوا:
(1) أخرجه الإمام الترمذى في سننه كتاب الحدود باب ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو (1450) وصححه الألبانى