سبيل الله كلوا، فأكلوا منه أياما، فلما قدموا على رسول الله / أخبروه بالأمر ليعلموا حكم ما فعلوه، فقال رسول الله /: (إن كان بقي معكم شيء، فابعثوا به إلينا) [1] ، فهؤلاء الصحابة الأخيار هم من يشنع عليهم أهل الباطل أنهم يجاهدون من أجل الدنيا! كيف ذلك وهم يحترزون أن يدخل في أجوافهم ما لم يعلمون حله أو حرمته من ربهم وعلى لسان نبيهم!
-وفى سريةٍ أخرى بعثها رسول الله /، فكان أميرها يصلى في كل يوم بأصحابه فيختم لهم ب"قل هو الله أحد"، فتعجب الصحابة من ذلك ولم يثيروا فتنة فيما بينهم لفعل أميرهم، فما أن رجعوا للنبى / سألوه عن حكم ما فعله أميرهم فأمرهم أن يسألوه، فقال لهم أميرهم: لأن فيها صفة الرحمن فأحب أن أقرأ بها، فذكروا ذلك للنبى / فقال لهم: أخبروه أن الله يحبه [2] ، فها هم صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين لا يدعون مسألةً تشكل عليهم إلا وردوها إلى الله والرسول، فعلينا بهديهم واتباع سبيلهم لأنه لا نجاة إلا السير في دربهم.
-فى غزوة ذات السلاسل (جمادى الآخرة 8 هـ) : كان القائد على هذه السرية هو عمرو بن العاص رضى الله عنه، وقد حدث له موقف حكاه قائلًا: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي / فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول(ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك رسول الله / ولم يقل شيئا) [3] ، فها هو يجتهد في مسألة لا يمكن تأجيلها، وهى التيمم من جنابة عند حدوث المشقة والضرر، فما كان من الصحابة إلا أنهم سألوا رسول الله / عند عودتهم بحكم هذا الفعل الذى صدر من أميرهم، حتى يتفقهوا في دينهم ويعلوا ما يستجد لهم من مسائل ورخص يترخصون بها في وقت الشدائد.
-فى يوم حنين (شوال 8 هـ) ، بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله / تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن [4] . هذا الحرج الذى وقع فيه المسلمون إنما هو نتاج الخشية من
(1) رواه الإمام النسائى في سننه كتاب كتاب الصيد والذبائح باب ميتة البحر (4354) وصححه الألبانى
(2) صحيح مسلم (813)
(3) أخرجه الإمام أبو داود في سننه كتاب الطهارة باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم (334) و صححه الألبانى
(4) (( صحيح مسلم(1456)