الوقوع فيما حرم الله والتعظيم لما أمر الله به وما نهى عنه، والاحتراز عن العمل قبل العلم بالحكم الشرعى، فهو إتقاء لمواطن الشبهات. ومن نافلة القول أن في هذا الحديث دليل على أن المراد من الجهاد ليس السبى والجهاد، وإلا ففيما الاحتراز إن كان المراد شهوةً واستمتاعًا بالفروج؟!.
-فى غزوة تبوك كان من الصحابة من لا يعلم أحكام سترة المصلى، فذهب إلى رسول الله / ليسأله عن هذه المسألة، فقال رسول الله /: (كمؤخرة الرحل) [1] ، وهذه المسألة فيها دليل واضح جلى على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أهل ورعٍ وتقوى، لا يتجرؤون على العمل دون علم كما نرى الآن من بعض المسلمين الذين يتساهلون فيعملون دون علم، فها هم سلف الأمة وقدوتها يسألون عن الأحكام الشرعية التى تخص الجهاد والتى لا تخصه حتى لو جد بهم السير للقاء أكبر عدوٍ لهم في آخر غزواتهم.
6.إنكار النبى على المجتهد دون علم وبصيرة: فحينما أصاب رجلًا جرحٌ في عهد النبى / ثم احتلم فسأل هل له من رخصة فلا يغتسل، فقال بعض الصحابة بِلَا، فَأُمِرَ فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله / فقال: (قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي السؤال) [2] ، فكان الواجب عليهم السؤال عن الحكم الشرعى، فقد أدى القول بلا علم إلى إزهاق نفسٍ مؤمنةٍ خرجت بنفسها ومالها من أجل الجهاد في سبيل الله.
ثالثًا: المخالفون في هذا الخلق وثمارهم
خالف في ذلك أقوام أرادوا التصدر قبل التأهل واستعجال الثمرة قبل بدو صلاحها، حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، لم يتعلموا شيئًًا من أحكام الجهاد ولا يدرون شيئًًا من الشروط أو الغايات، ينادون للجهاد يحسبون أنهم ممن يحسنون صنعا، وقد ضل سعيهم في الحياة الدنيا، إذ قصروا عن طلب الحق، فأَضَاعوا أنفسهم وأَضَلوا الخلق. نادوا بالجهاد في غير زمانه، وكلفوا الخَلقَ بما لم يكلفهم الله عز وجل في وقت الضعف، فالله عز وجل خفف على عباده وهم يشقون عليهم، خفف عليهم في بداية الدعوة قائلًا: / أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا/ [النساء (77) ] .
(1) صحيح مسلم (500)
(2) أخرجه الإمام أبو داود في سننه كتاب الطهارة باب المجدور يتيمم (337) وحسنه الألبانى