النبى / حفظًا لعهده الذى عاهدهم في الحديبية، فما كان منهم إلا أن انقادوا لحكم نبيهم وولي أمرهم.
رابعًا: نتائج التأويل لأوامر الإمام في عهد النبوة، فكيف بمن عصاها
لقد كانت غزوة أحد (شوال 3 هـ) مثالًا حيًا لما يمكن أن يقع في الأمة من عدم الانقياد لأوامر قائدها وتأويلها، فإننا نرى ذلك جليًا في موقف الرماة، فإن النبى / قد شدد عليهم ألا يتركوا أماكنهم مطلقًا قائلًا: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) [1] ، فلما رأوا المشركين قد هُزِمُوا وتركوا الغنائم ورائهم، تأولوا قول النبى / وقالوا انتهت المعركة، فلما نزلوا من مواقعهم تمكن خالد بن الوليد وأصحابُهُ من المسلمين وأحدثوا النكاية -وليس الهزيمة- بالمسلمين، وفى هذا بيان إلى أثر مخالفة ولى الأمر مما قد لا يدركه الكثير من أحاد الرعية، فلا يجوز لهم المخالفة أو التأول، وهذا نادر في أيامنا هذه، فإذا كانت هذه هى نتيجة التأويل، فكيف بمن عصي الإمام وخرج عليه وأشهر السيف في وجهه، فكل يتقدم على الإمام، بل كل يظن أنه الإمام وأنه مفتي الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا وإياهم إلى ربنا لمنقلبون.
خامسًا: دروس وعبر فهل من معتبر
إن أمثال هذه المواقف حَريٌ إن حدثت بين أيدينا، أو جاء ذكرها دون الإسناد لأصحابها، في هذا الزمان الذى غيمت فيه سحب الجهل، وانتشر فيه مخالفوا منهاج النبوة، لو سمعوا أن إمامهم يفتي بجواز الصلح مع الكفار ومهادنتهم والإحسان إليهم لأصدروا الفتاوي بالكفر وسفك الدماء، فارجعوا إلى سيرة نبيكم وكحلوا بها عيونكم وبذكر السلف رطبوا أفواهكم.
إن هذه المواقف لا بد أن تنتبه لها الرعية، وتعلم المنهاج الصحيح الذى ينبغى أن يسلكوه مع ولاة أمورهم، وألا يتقدموا عليهم، فإن من هؤلاء من تسول له نفسه ويظن أنه من حماة الدين الذابين عنه، لا بد أن يعلم هؤلاء أن ولى الأمر هو القائم بشئونهم الحريص عليهم، لا يصدرون عليه أحكامًا لما يصدر منه وهو يحتمل التأويل، فإن شأن ذلك عظيم في بث الفتن ونشر الشائعات التى تؤدي إلى شق صف المسلمين، فإن عدم الاجتماع حوله سبيل الفرقة والشقاق.
(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (3039)