فالنصيحة في معناها دلالة على حب الخير للغير، وبذل المعروف له، لكنه قد خالف في ذلك أناسٌ شهروا بولي الأمر وقالوا هذا نصح للأمة، فليس التشهير أجدر بالقبول في النفس من الإسرار الذى لطالما كانت ثماره جلية في تحصيل المقصود بالنصح.
فهل التشهير على المنابر وفى المجالس دليل على حب الخير للغير أم خلافه؟!
مَن مِن أهل الخير فضلًا عن أهل الشر يقبل من ناصحه أن يشهر به ثم يقولُ ما أردتُ إلا الخير؟
فكم من مريد للخير لم يصبه، فإن هذا لتأباها الفطر، وترفضها العقول، إذ يبني التشهير سدًا منيعًا أمام قبول الحق، لذلك فقد حذر النبى / من النصح العلني -التشهير- بقوله: (من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك إلا كان قد أدى الذى عليه له) [1] .
وقد فهم الصحابة هذا الأمر وطبقوه مع النبى /، فقد قال ابن مسعود: (قسم النبي / يوما قسمة، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما والله لآتين النبي /، فأتيته وهو في ملأ فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: رحمة الله على موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر) [2] ، والشاهد من الحديث قوله: فساررته، وهذا فرق ما بين فعل عبد الله بن مسعود وبين فعل من أنكر القسمة على رسول الله /.
ولذلك نرى من أراد الخروج على هذا الشرط فإنه يقوم بإحدى أمرين: الأول تضعيف حديث الإسرار في النصح، والثانى أن يقوم بالتأويل الغير سائغ لهذا الشرط في حق الأئمة.
3.ألا يحدثوا الفتن بالقيل والقال: إذ هذا سبيل أهل الفتن كما قال الله عز وجل فيهم: / إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ/ [النور (15) ] ، ولقول النبى /: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) [3] .
4.ليس للعامة الخوض في أمور سياسة الأمة: فإنها لخواص الأمة من العلماء والأمراء، فإن اطلاع العوام على كل مجريات الأمور من الخطورة بمكان، إذ أنهم ليسوا على علم ودراية لتقدير مصالح الأمة ومفاسدها، فلم يكن النبى / يجمع كل صحابته ويطلعهم على أمور الأمة، بل كان ذلك خاصًا بخواصها.
ولذلك أدلة من سنة سيد المرسلين، فقد بوب الإمام البخارى رحمه الله (باب من خص قومًا
(1) صححه الألباني في كتاب السنة لإبن أبي عاصم، حديث رقم 1097 ))
(2) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الاستئذان باب إذا كانوا ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة (6291)
(3) صحيح مسلم (5)