الصفحة 83 من 316

بالعلم دون قوم كراهة ألا يفهموا) وأورد فيه حديث معاذ رضى الله عنه حينما حدثه النبى / قائلًا: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار) ، فسأل معاذ رضى الله عنه النبى /: (أفلا أبشر الناس فرد عليه النبى / لا إذا يتكلوا) [1] ، فنهاه النبى / عن قول ما قد لا يفهمه العوام، من ترك العمل والتساهل في الشرائع كما ظهر ذلك في فرقة المرجئة بأنواعها، فإن نشر هذا العلم على من لا يفقهه قد يسبب الفتنة لهم. كذلك قد أخبر أبو هريرة رضى الله عنه: (أن رسول الله / قال له اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟! فقلت: هاتان نعلا رسول الله / بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، بشرته بالجنة فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لأستي فقال: ارجع يا أبا هريرة فرجعت إلى رسول الله / فأجهشت بكاء وركبني عمر فإذا هو على أثرى فقال لي رسول الله عليه وسلم: ما لك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لأستي قال: ارجع فقال له رسول الله /: يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقى يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون قال رسول الله /: فخلهم) [2] .

فها هو عمر رضى الله عنه وثاني أفضل رجل في الأمة ينكر على أبى هريرة رضى الله عنه أن يُطلِعَ العامة على ما قد يُفسِدُ عليهم دينهم، فأقره النبى / على كتمان العلم في مثل هذا الموقف.

وقد سار على هذا النهج الخليفة الراشد على بن أبى طالب رضى الله عنه حينما قال: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكَذَبَ اللهُ ورسولُهُ) [3] ، فلم يُجِز لأصحابه أن يتكلموا في كل شيء حتى لا يُلَبِسُوا على العوام وتختلط عندهم المفاهيم أو يفتنوهم في دينهم. ومثله ما أخبر به عبدالله بن مسعود رضى الله عنه إذ قال: (ما أنت بمحدث قومًا حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) [4] .

(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب العلم باب من خص بالعلم قومًا دون قومٍ كراهية ألا يفهموا (128)

(2) صحيح مسلم (31)

(3) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب العلم باب من خص بالعلم قومًا دون قومٍ كراهية ألا يفهموا (127)

(4) مقدمة صحيح مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت