قالت أقوام: إن جهاد الدفع واجب في كل حال إذا داهم أعداء الإسلام بلاد المسلمين وتمكنوا من بلادهم وكانت الشوكة لهم، فقالوا قد وجب القتال على والرجال والأطفال والنساء، فالكل سواء.
والجواب: إنه ليس ذلك من الحرص على الأمة في شيء، فقد أتي ذلك الفهم بالنكال والوبال على الأمة، ولا بد لتوضيح ذلك من بيان عدة أمور:
1.لا شك أن الواجب على الأمة القتال لدفع لعدوها عن حياضها والذب عن عقيدتها وأرضها.
2.كما أنه لا شك أن كل واجب منوط بالقدرة عليه كما هو معلوم في الأصول.
3.ولا شك أن رسول الله / وأصحابه لم يجاهدوا طلبًا أو دفعًا في مكة أيام استضعافهم، وكان للمشركين الغلبة والقهر في هذه الفترة المكية، وهنا يأتى الدور العملى لسيرة النبى /: ألا وهو المنهج التطبيقي للنصوص والجمع بين القول والفعل، فكيف لسلف الأمة وقادتها وقدوتها أن يكفوا عن المشركين بمكة رغم التعذيب والاضطهاد؟ إنه الحرص على الأمة من استئصال شأفتها، والحرص على بقائها وبنائها، وإعداد العدة لجهاد المشركين أعداء الدين.
2 -ليس من الحرص على المجاهدين أو الأمة دخول غير المسلمين في صفوف المجاهدين لغير حاجة
قالت أقوام: لغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم الحق في دخول الجيش والجهاد مع المسلمين، فلا يمكن للإسلام أن يحجب عنهم حقهم في المواطنة، والدفاع عن الأرض التى يعيشون عليها، فقد استعان النبى / بالمنافقين في جهاده، فما الفارق بين المنافق الذى هو في الدرك الأسفل من النار وبين منهو أخف حالًا منه وهو الكافر الأصلى الذى يصرح بكفره، فالأول يكيد للإسلام من الداخل والآخر يكيد للإسلام من الخارج.
والجواب على ذلك: ليس ذلك من الحرص على الأمة في شيء، فقد مر معنا وجوب إخراج المخذل والمرجف وفى عدم الاستعانة بالمشركين، وكيف أن النبى / رفض الاستعانة بالمشركين، فهذا من التخذيل للأمة بمكان، وعدم الحرص على تماسكها ووحدتها، إذ يهدم فيها الولاء لأهل الإيمان، والبراءة من أهل الشرك والأوثان، وبدلًا من أن نجاهد الأعداء بأهل الإسلام الحريصين على علو راية الدين، نستعين بأهل الشرك على الشرك وأهله، وكلاهما حريص على سحق هذا الدين.
فهؤلاء القوم لم يقولوا بهذا القول على سبيل الاستعانة عند عدم القدرة، بل يرون أن هذا هو الحق، ومن خالفه فقد بطر الحق، وقد ذكرنا الاستعانة وضوابطها في مبحث خاص فليراجع.
أما الاحتجاج ببقاء المنافقين في صفوف النبى / فله عدة توجيهات آخرى نذكر منها:
-أن ذلك من منهج الإسلام في إجراء الأحكام على الظاهر، فهم مسلمون ظاهرًا.