منه تتولَّد العداوة، وهو سبب كلِّ قطيعة، ومُنتِج كلِّ وحشة، ومفرِّق كلِّ جماعة، وقاطع كلِّ رَحِم بين الأقرباء، ومُحدِث التفرُّق بين القرناء، وملقح الشر بين الخُلَطاء، يَكمُن في الصدر كُمُون النار في الحجر.
ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغُّص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه - إلا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره، وتمنِّيه عليه أن يرجع في هِبَتِه إياه، وأن لا يرزق أحدًا سواه، وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي مَن أصاب، وعلى مَن وقع.
والحسد تركيب لعله يُحسد عليها؛ فهو لا يزول إلا بزوالها، ومن هذا قال معاوية - رضي الله عنه: يمكنني أن أرضي الناس كلَّهم إلا حاسدَ نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها.
والحسد لا يكون إلا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، واضطراب السُّوس.
والحسد أخو الكذب، يجريان في مضمار واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان لا يتباينان، والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أن أولياء الله قد عادوا أعداء الله؛ إذ لم يستحلوا أن يكذبوا عليهم، والحسد لا يبرأ من البُهْتِ، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمِد، وأساسه به البناء يعقد؟! وأنشد:
كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا ... كَذِبًا وَزُورًا إِنَّهُ لَدَمِيمُ
والحسد نارٌ وقودُه الروح، لا تخبو أبدًا أو يفنى الوقود، والحسد لا يُبلِي المحسود أو الحاسد، والعداوة جَمْرٌ يُوقِده الغضب، ويطفئه الرضا، فهو مؤمَّل الرجوع مرجوُّ الإنابة، والحسد جوهرٌ، والعداوة اكتسابٌ.
وقال بعضهم: الحسد أنثى؛ لأنه ذليل، والعداوة ذكر فحل؛ لأنها عزيزة.
قال الجاحظ: إن الحسد أخسُّ وأغبن من العداوة، إن الملل كلها ذمَّته وعابته، ولا نعلم أن شاذًّا من الشواذ، وشاردًا من الشُّرَّاد، فضلًا عن جيل من الأجيال - أمَرَ بالحسد.
والحسد شقيق اللؤم، فكلُّ حاسد لئيم، الحقد مدفون في صدره، نار الغل مستَعِرَة فيه، لا تخبو ولا تنطفئ، من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسَنَ القول، سيئ الفعل، بعيد