الصفحة 33 من 145

فصل

وقال ابن القيم:

دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت شهوة فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة فإن لم تدافعها صارت فعلا فإن لم تداركه بصده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها.

واعلم أن كل علم اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإرادات والإرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة تكراره تعطي العادة.

فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها بفسادها وصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحابه فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ومن توليه لعبده كل حفظ ومن تولي العبد عنه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء.

واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر فيأخذها التذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.

ومعلوم أن الإنسان لم يعط إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه.

وقد خلق الله النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته فالخواطر والأفكار التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها.

فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقًا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه اهـ.

قلت: وبعضهم من يطحن برحاه نجاسات كالزناة واللوطية واللصوص وأهل الملاهي وجميع الفسقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت