الصفحة 49 من 145

فَلْولا َاَلْقَبْرُ صَارَ عَلَيْكَ سِتْرًا ... لأنْتَنَتِ الأبَاطِحُ والرَوَّابِي

خُلِقْتَ مِن التُرَابَ فَصْرِتَ حَيًّا ... وعُلِّمْتَ الفَصِيْحَ مِن الخِطَاب

فَطَلِّقْ هَذهِ اَلْدُّنْياَ ثَلاثًا ... وَبَادِرْ قَبلَ مَوْتِكَ بالْمَتَاب

نَصَحْتُكَ فَاسْتَمِعْ قَوْلي ونُصْحِي ... فَمِثْلُكَ قَدْ يُدَلُّ عَلَى الصَّواب

خُلِقْناَ لِلْمَمَاتِ ولو تُركْنَا ... لَضَاق بِنَا الفَسِيْحُ مِن اَلْرِحَاب

يُنَادَى فِيْ صَبِيْحَةِ كُلِ يَوم ... لِدُوْ لِلْمَوْتِ وابْنُوْ لِلْخَرَاب

ثم تصور كيف يكون شعورك إن ثبتك الله جل وعلا ونظرت إلى ما أعد الله لك وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فتصور فرحك وسرورك بما تعاينه من النعيم وبهجة الملك وإيقانك بالسلامة مما يسوؤك.

وإن كانت الأخرى فتصور ضد ذلك من انتهارك ومعاينتك جهنم وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة ويا لها من عثرة لا تقال.

ثم بعد ذلك الفناء والبلاء حتى تنقطع الأوصال وتتفتت العظام ويبلى جسدك ويستمر حزنك فيا حسرة روحك وغمومها وهمومها.

حتى إذا تكاملت عدة الأموات وقد بقي الجبار الأعلى منفردًا بعظمته وجلاله وكبريائه ثم لم يفجأك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا.

قال تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} [ق: 41، 42] ، يأمر الله ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

فتصور وقوع الصوت في سمعك ودعائك إلى العرض على مالك الملك فيطير فؤادك ويشيب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة للعرض على الرب جل وعلا قال تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 13، 14] .

فبينما أنت في فزع من الصوت إذ سمعت بانشقاق الأرض فخرجت مغبرًا من غبار قبرك قائمًا على قدميك شاخصا ببصرك نحو النداء قال تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} ، وقال: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ} .

فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك وغمومك في زحمة الخلائق خاشعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت