الصفحة 51 من 145

الموقف المهيل المفزع الذي قد ملأ القلوب رعبًا وخوفًا وقلقًا وذعرًا يا له من موقف ومنظر مزعج.

وأنت لا محالة أحدهم فتوهم نفسك لكربك وقد علاك العرق والفزع والرعب الشديد والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، قال تعالى: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} .

فتصور أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم منفرد كل واحد بنفسه ينادي نفسي نفسي قال الله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} ، وقال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} الآية.

فتصور نفسك وحالتك عند ما يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر.

ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والمروءة والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك وأخيك وبنيك ولكن عظم الخطر وشدة الكرب والهول اضطرك إلى ذلك فلا تلام على فرارك منهم ولا لوم عليهم إذا فروا منك قال الله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ، وقال تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} .

فبينما أنت في تلك الحالة مملوءًا رعبًا قد بلغت القلوب الحناجر من شدة الأهوال والمزعجات والخوف العظيم إذ ارتفع عنق من النار يلتقط من أمر بأخذه فينطوي عليهم ويلقيهم في النار فتبتلعهم ثم تصور الميزان وعظمته، وقد نصب لوزن الأعمال وتصور الكتب المتطايرة في الأيمان والشمائل وقلبك واجف مملوءًًا خوفًا متوقع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك أو من وراء ظهرك.

فالأتقياء يعطون كتبهم بأيمانهم والأشقياء بالشمال أو من وراء الظهر، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} ، وقال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت