فهرس الكتاب
فائدة
في معالجة حب الدنيا المستغرق للوقت
اعلم أن حب الدنيا يندر من يسلم منه وهو ينبعث من طول الأمل؛ لأن الإنسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدًا كذا، وبعد غدٍ سأفعل وأتمتع بالدنيا والتوبة مفتوح بابها وتتمادى به الأيام في جمع الأموال وبناء القصور ونحو ذلك وتتشعب آماله إلى أن ينسى أن النفس الواحد يبعده من الدنيا ويدنيه من الآخرة.
وما نَفَسٌ إلاَّ يُبَاعِدُ مَوْلِدًا ... ويُدْنِي الْمَنَايَا لِلنُّفوسِ فَتَقْرُبُ
ولكن من العلاج النافع أن يقول الموت ليس بيدي فكيف اعتمد على الحياة فربنا قضى والموت لا يتأخر بكراهتي قال الله جل وعلا {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ، وقال عز من قائل: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .
ومن ذلك أن يقول: هبني جمعت الدنيا أليس عند الموت أترك ذلك وأسأل عنه ويتمتع فيه غيري فلما لا أفكر في ذلك أجمع الدنيا لغيري وأبوء بحسابها وأضرارها، وأكون كما قال الشاعر:
كَدُوْدٌ كَدُود القَزِّ يَنْسِجُ دَائِمًا ... ويَهْلِكُ غَمًَّا وَسْط ما هُوَ نَاسِجُ
آخر:
وذِي حِرصِ تَرَاهُ يُلمُّ وَفرًا ... لِوَارثِهِ ويَدْفَعُ عن حِمَاهُ
كَكلْبِ الصَّيَّد يُمْسِكُ وهُو طَاوٍ ... فَرِيْسَتَهُ لِيأْكُلَها سِوَاهُ
ومن العلاج أن يعلم أن من كانت دنياه أكثر حسرته أشد وخوفه أعظم بخلاف من كان أخف منه دنيا فأمره أسهل فصاحب الألفين أشد حسابًا من صاحب الألف وهلم جرا.
ومن العلاج زيارة المقابر والنظر في مصارع الآباء والأمهات والأخوة والأخوات وسائر القرابات والأقران والزملاء والأصدقاء ويزور المستشفيات والمرضى والسجون والمستوصفات ليشكر الله على نعمه العظيمة.
تَزَوَّدْ مِن الدُنَيا فإنكِ رَاحِلٌ ... وَبَادِرْ فإنَّ الْمَوتَ لا شَكَّ نَازِلُ