لما مات النبي صلى الله عليه وسلم دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة رضي الله عنهم حينما دفنوه صلى الله عليه وسلم، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره، (يشير بذلك رحمه الله إلى الأحاديث التالية: قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقوله صلى الله عليه وسلم: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقوله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها:"مارية"وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة ـ فذكرن من حسنها وتصاويرها ـ قالت: فرفع النبسي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. وغيرها) .
وقال ـ رحمه الله ـ: ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية، حجرة عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد، ولم يكن في المدينة المنورة أحد من الصحابة حينذاك خلافًا لما توهم البعض. قال العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في"الصارم المنكي" (صفحة:136 ـ137) :=