واستغرب عم سلامة من بكاء عمر الشديد، فلطالما جاءه من قبل وقد ضاعت منه النقود التي كان يحملها، وكان يقول له:"ابقى خد القلوس من بابا يا عم سلامة". وسأله عم سلامة:
-فيه إيه يا عمر؟ ليه البكاء الشديد ده؟!!
وقال الطفل الصغير من بين دموعه:
-دي كانت آخر فلوس مع ماما، وطلبت مني أن أحافظ عليها جيدا!!
-طيب لما يجيي باباك أنا حاحاسبه!!
-بابا مش موجود هنا دلوقت! بابا دخل السجن عشان الناس الوحشين عاوزينه يشرب سجاير وهو مش راضي!!!
وهنا عرف عم سلامة الحقيقة. وقال للطفل:
-طيب يا عمر، خد أنت الأكل ده، وتعال كل يوم الصبح خد الأكل اللى انتوا عاوزينه. وأنا لما يخرج باباك حاحاسبه على كل الحاجات دي.
وفي أحد أيام الشتاء الباردة، ارتفعت حرارة مريم. ولم يكن مع عائشة أي مبلغ من المال لكي تذهب للطبيب لعلاج ابنتها. وبدأت في وضع كمادات المياه الباردة على جبين الطفلة الرضيعة، ولكن الحرارة أخذت في الارتفاع. قامت عائشة بتجربة كل ما يمكن عمله من وصفات طبية لكي تُخفض من حرارة ابنتها، ولكن باءت جميع جهودها بالفشل، واستمرت الحرارة في الارتفاع. ولم تعد عائشة تدري ماذا تفعل. قامت وتوضأت وأخذت تصلي لله وتدعو في صلاتها أن يُنعم الله بالشفاء على طفلتها.
وفجأة دق جرس الباب. سألت عمن بالباب، فقال لها:
-أنا الطبيب!!
وذهلت عائشة!! وفتحت الباب بسرعة، فدلف الطبيب وقال:
-أين البنت؟!!
أشارت عائشة إلى الداخل حيث ترقد مريم في غرفتها. وقام الطبيب بالعلاج، وعمل بعض الإسعافات الأولية. ثم كتب علاجا لها وأعطاه لعائشة، وانتظر حتى يأخذ أجره. ولكن عائشة أفهمته أن ليس لديها مالا لتدفعه. وهنا احتد الطبيب قائلا:
-ولما ما فيش معاكو فلوس بتكلموا الدكاترة ليه؟!!
قالت عائشة:
-ولكني لم أكلم أحدا!
قال لها الطبيب:
-أليس هذا 38 شارع الإمام عبد الحليم؟!
قالت عائشة:
-إنه شارع الإمام عبد الحليم بالفعل، ولكن هذا 36 وليس 38!!