فهرس الكتاب
والسؤال الذي يثور بنا هو: هل شخصيات الرواية"مقنعة"وبخاصة شخصية"أنيس"؟ الرواية كاملة، تولدت تولدًا غير عربي إلى حد ما، وهي عبارة عن أفكار دومت في أعماق نجيب محفوظ بعد إطلاعه على أدب العبث، فكانت تلك الشخصيات التي تثرثر فعلًا، تدخل حال دخول العوامة، في مناقشات مبتسرة، تعطيها شيئًا من"الزخم"الروائي حوادث جانبية تثير الفضول أكثر مما ترضي العقل ويتبدى ذلك في شخصية سمارة"السرية"حين تسبق الحضور، وسناء حين تروض خصلة من شعرها مقهورة، وليلى زيدان العانس والخراب يزحف على عينيها، ثم سنية كامل وهي تخرج ضحكاتها المكبوتة من الحجرة المغلقة.. وهل هذه الشخصيات الأفكار تمثل المجتمع العربي في مصر، فعلًا؟ أم أنها أشخاص أو أشباح أشخاص"مستقبلية"تراود مخيلة الكاتب، أم أنها جماعة غريبة لا تمثل إلا نفسها؟ الجواب أن كل الدلائل تدل على أن أبطال الرواية ما عدا أنيسًا - وعم عبده عاديون بل جد عاديين وهم يثرثرون على نحو أو آخر دون أن ندرك، أو نأخذ فكرة سليمة عن شخصياتهم، أو الدوافع التي تملي عليهم هذا الكلام أو ذلك، بل إن الحوار يعود يتشابك ويتشابك، حتى ما نحس بعده من يتكلم فعلًا وحتى الذي رأى في هذه الثرثرة - ثرثرة فنية بصورة مطلقة- أكد أننا لا نستطيع رؤيتها كذلك، إلا من خلال شخصية أنيس"الذي قاتل العدم طويلًا، وبلا هوادة" (10) ، والذي بقي يرى العدم في كل ما حوله،"لو أننا فعلنا ذلك - أي لو عددنا أنيسًا رجلًا تفلسف وعانى وفقد الحب وخاف وغاب في رؤاه الانسطالية - لكان معقولًا في كل رؤية رآها وكلمة قالها (11) لكن الرواية /الثرثرة ليست رواية/ ثرثرة أنيس ولا عم عبده وحدهما. فالعالم المخلوق الذي احتوته العوامة فيه شخصيات أخرى لم تبلغ - فنيًا- مبلغهما."